الاثنين، 23 أبريل، 2012


الاثنين, 23 أبريل 2012 18:11

نشرت صحيفة «الشارع» الأهلية في حلقتين حواراً مطولاً مع عضو الأمانة العامة للحزب الاشتراكي اليمني عبدالرحمن عمر السقاف. السقاف أب لـخمسة أبناء (ولدين و3 بنات)، وهو من مواليد 1956، درس في الوهط بمحافظة لحج حتى المرحلة الإعدادية، وأكمل الثانوية والبكالوريوس والماجستير والدكتوراه بالانتساب متخصصا في التاريخ اليمني القديم.
 
 
نص الحوار 
 
حاوراه: نائف حسان وعلوي السقاف
- نبدأ من آخر التطورات الأخيرة، وتحديداً من القرارات التي اتخذها الرئيس عبد ربه منصور هادي، والتي أجرت عمليات نقل وتغييرات داخل الجيش. هل تعتقد أن هذه القرارات ستعمل على إعادة تشكيل الجيش بشكل وطني بعيداً عن تشكيله الجهوي والمناطقي الذي كان في السابق، بما يعمل على قيام دولة مدنية، ويسهم في عملية نقل السلطة إلى الرئيس الجديد؟
لو أردنا البدء بالتطورات الأخيرة، نبدأ من المرحلة الثانية التي أفضت إليها الثورة الشبابية، وهي بعد نتائج الانتخابات الرئاسية التوافقية، كما سُميت. بفعل هذه الانتخابات نتج في الواقع ظاهرة سياسية جديدة: الشرعية السياسية الجديدة المنتخبة صارت بدون قوة، والقوة ظلت بيد الشرعية السياسية القديمة. وهذا خلق فجوة كبيرة، لأنه أكد وجود حالة انفصام بين القوة والسياسة الشرعية. وهذه مشكلة كبيرة. القرارات التي اتُّخذت مؤخراً من قبل الرئيس، تعمل، إلى حد كبير، لسد هذه الفجوة بين الوضع السياسي المنتخب، والقوة، بحيث تؤدي إلى تمكن الشرعية السياسية الجديدة من أدوات القوة. إنما أسلوب التدوير الذي اتُّخذ يُعبر عن خطوة إلى الأمام من زاوية تفتيت التركز المناطقي والعائلي في القوات المسلحة، وسيُفضي، بإجراءات أخرى إضافية، إلى إبعاد هذا الخطر الذي كان وارداً بعد الانتخابات مباشرة في أن تكون القوة والسياسة منفصلتين ضمن دولة واحدة.

نقل السلطة يمر، بالأصل، بمراحل. في المرحلة الأولى من نقل السلطة نقل الرئيس السابق صلاحياته إلى نائبه. المرحلة الثانية تمت عبر الانتخابات؛ إذ تم انتخاب رئيس بشرعية شعبية واسعة. الانتخابات أعطت شرعية سياسية جديدة، وألغت شرعية سياسية سابقة، وكانت هذه هي قيمة الانتخابات. المرحلة الثالثة من نقل السلطة تأتي في إنجار مهمة نقل هذه القوة لتكون ضمن نفوذ السلطة الشرعية الجديدة. أما الهيكلة فأنا شخصياً أميل إلى عدم تسييس هيكلة القوات المسلحة، لأن ذلك سيدخلنا، مرة أخرى، في صراعات سياسية سابقة..

- [مقاطعاً] ماذا تعني بالتسييس؟
التسييس هو مراعاة توازن القوى القديم أثناء عملية إعادة هيكلة القوات المسلحة. النظرة الأساسية أن يتم، أولاً، تخليص القوات المسلحة من المنظومة العائلية والعشائرية والقبلية، واستبدالها بمنظومة وطنية. كيف؟ يجب أن يكون هناك تصور واضح بذلك لدى حكومة الوفاق، ولدى الرئيس المنتخب، ولدى الأحزاب السياسية، وقوى المجتمع الأخرى. النقطة الثانية هي توفير الإدارة العلمية للقوات المسلحة بدلاً من الإدارة القائمة حالياً، والتي أصبحت مساحة للترضيات، والتسويات، أو الولاءات. يجب أن يكون الجيش جيشاً تقنياً، محترفاً بدرجة رئيسية.

وهناك موضوع آخر نتج عن الانتخابات الرئاسية التوافقية الأخيرة، وهو تحديد قواعد جديدة للعبة السياسية من ناحية، وفقر في عدد اللاعبين السياسيين، قياساً على ما أسقطتهم أو أضعفتهم الثورة الشبابية بالشرعية الثورية، التي فرضتها حركتهم في المجال السياسي في اليمن. وفي هذا السياق، فإذا اعتبرنا أن كل الموقعين على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المزمنة (لاعبون سياسيون)، فهم أطراف منهكة ومصابة بالعطب في شرعيتهم السياسية، بناءً على الحقائق، التي فرضتها الشرعية الثورية للثورة الشبابية. وعند قراءة أولية في هذا المضمار، ستبرز خطورة كبيرة على الأوضاع في اليمن، وعلى مستقبل مهام ووظائف المرحلة الانتقالية خلال عامي 2012 و2013، فالمتطلبات ترشح لاعبين سياسيين جدداً، وذلك وفقاً لحقائق الأمور على الأرض. وأرى ذلك في أن رئيس الجمهورية الجديد المنتخب من قبل الشعب بأصوات عالية من حيث الكم، يجب أن يمارس دوره لا كصاحب منصب، بل كصاحب موقع، ودور، وبالتالي يجب أن يكون لاعباً سياسياً، والقرارات الأخيرة التي اتخذها بشأن المرحلة الأولى من حيث هيكلة القوات المسلحة، تجعله قريباً جداً من أن يكون صاحب دور ولاعباً سياسياً، ومزيد من القرارات من وزن ونوع القرارات السابقة، ستجعل الأمر محسوماً له كلاعب سياسي يستمد شرعيته من الشعب. والخطورة هنا أنه إذا لم يتصرف كذلك، فسيبقى مجرد عنصر من عناصر الآلية التنفيذية، وفي هذا ما يغري لاعبين سياسيين آخرين أن يتعاملوا مع هذا المنصب كما لو أنه مجرد أداة في أيدي أي منهم. وبالنظر إلى الصلاحيات المسنودة إليه كرئيس منتخب في الآلية التنفيذية المسنودة بالشرعية الدولية، فإن الشرعية الشعبية هي الأعلى، لأنها وردت بحكم موقع الرئيس منها، كمرجعية نهائية فاصلة في الخلافات التي ربما تنشأ بين الفرقاء واللاعبين السياسيين، وهي هنا الشرعية الشعبية، ليست ممثلة بالبرلمان، لكن الذي يمثلها هو الرئيس المنتخب، ولا يجاورها في هذا السياق إلا الشرعية الثورية التي فرضتها الثورة الشبابية الشعبية. فأنت تلاحظ أن ما تضمنته الآلية من مطالب الشباب، والتي وردت في الآلية، تعطى لها الأولوية أو الأفضلية أو المشروعية إن لم تتفق مع النصوص الدستورية للدستور القائم.

أما بالنسبة لرئيس مجلس الوزراء فهو مسنود بالشرعية الثورية، فإذا كان سيمثلها بحق سيكون لاعباً سياسياً، وإلا سيجعل من لاعبين سياسيين آخرين يطمعون في موقعه، ويجعلون منه صاحب منصب لا موقع، وسوف يبدو الأمر بعد ذلك ظاهراً أو باطناً كما لو أن منصب رئيس الوزراء مجرد أداة في يد غيره.

وهناك أيضاً لابد للشرعية الثورية أن تتحول إلى لاعب سياسي، ويقوم الشباب بدور المعارضة السياسية. ومهما كان الأمر، ووفقاً لقرارات الشرعية الدولية، لا نستطيع أن ننكر أن الخارج أصبح كذلك لاعباً سياسياً داخلياً، وكل خارج سيتصرف بجموح إذا وجد فراغاً، وعليه فإن على أصحاب المناصب أو المواقع العليا أن يتصرفوا كلاعبين سياسيين، لا كمجرد عناصر من عناصر الآلية التنفيذية.

- النظام السابق رفض تغيير قيادة القوات الجوية، وتغيير قيادة اللواء الثالث حرس جمهوري. برأيك كيف يمكن للرئيس هادي تجاوز مشكلة هذه "التمردات" التي تحول دون خضوع الجيش للسلطة الجديدة؛ طبقاً للمفهوم الذي تحدثت عنه؟
كنت أقصد بالتسييس هذا النوع من الممارسات، ويؤخد بعين الاعتبار هذا النوع من التمردات، ويتم على أساسه نوع من الترضيات.. هذا هو التسييس. هذا يعني أن الصراعات ذات الطابع السياسي ما زالت تتحكم في تركيبة القوات المسلحة. يفترض الابتعاد عن هذا الأمر. وسمعت مؤخراً أنه تم حل هذا النوع من المشاكل، وأن هذه القوات التي تمردت استجابت لتوجيهات رئيس الجمهورية الجديد، وهذا يعني أنها كانت لحظة عابرة ربما تحمل من الانفعالية أكثر مما هي تعبير جدي، أو تعبير عن قوة قادرة على التأثير في القرار السياسي. بعد الانتخابات وقعنا، كما شرحت، في أمر: إن الشرعية السياسية الجديدة بيدها أمر اتخاذ القرارات السياسية، لكنها، بسبب انعدام القوة المادية لديها، لم تستطع أن تنفذ قراراتها، غير أن القوة التي بقيت في أيدي الشرعية السابقة لم تستطع فرض أي قرار سياسي. هذه حقائق الأمور. أظن هذه المقاربات التي تمت في القرارات الأخيرة ستسير في اتجاه إيجابي.

- ضمن المخاوف من مسألة التسييس في عملية الهيكلة؛ يبدو أن البلد سيظل، لفترة، محكوماً بهذا العنصر؛ عنصر مراعاة التوازنات والترضيات. إلى أي مدى تعتقد أن ذلك سيؤثر في تحقيق الدولة الحديثة التي ينشدها اليمنيون بشكل عام، أو سيؤثر في إعادة إنتاج النظام القديم ذاته؟
أرى مجال التأثير لهذا النوع من التوازنات.. ربما هو يتم الآن بحكم ضرورات معينة تخضع لتوازن قوى قائم على الأرض، لكنه وضع مؤقت، ولا يمتلك عنصر الاستمرارية، وبالتالي أنا متفائل بأن الأمور ستسير نحو الأفضل..
- [مقاطعا] ما الذي لا يجعل القوى العسكرية القديمة، التي ما زالت قائمة، لا تمتلك عنصر الاستمرارية؟ هناك لدى طرف منها غطاء سياسي، فالواضح أن أحزاب المشترك، أو تجمع الإصلاح، يوفرون غطاءً سياسياً لأحد طرفي الصراع العسكري، وهو اللواء علي محسن الأحمر.. هذا الأمر يمد هذا الطرف بعامل الاستمرارية..

لهذا أنا أؤكد على أهمية عدم تسييس هيكلة القوات المسلحة، لأن هذا التسييس يعطي اعتباراً للغطاءات السياسية القديمة. القرارات التي اتُّخذت، مؤخراً، من قبل الرئيس هادي، هي، كما أرى، جزء من خلفيتها، رفض لهذا النوع من التسييس، لأنه لو كان هناك تسييس من هذا النوع، والحفاظ على التوازن، سيقابله خسارة للطرفين، لهذا كانت هذه التعيينات العسكرية الأخيرة تأخذ طرفاً من هنا، وطرفاً من الجهة الأخرى. وفي المحصلة؛ فالقوة القديمة، المتمثلة في الطرفين، اللذين كانا يمثلان الشرعية السياسية القديمة، هي التي تخسر، وليس الآخر. لكن هذا سيُبطئ من عملية بناء الدولة اليمنية الجديدة، لكن لن يقضي عليها.

كل أولوية مناقضة لأجندة المرحلة الانتقالية ستسقط
من الملاحظ أن أحزاب المشترك ليس لها موقف واضح وحاسم في مسألة إعادة هيكلة الجيش: هي لا تؤكد على ضرورة أن يُشارك مدنيون في مسألة إعادة الهيكلة، كما لا تؤكد على ضرورة أن تولى سلطته، مستقبلاً، إلى جانب مدني، كما أنها لم تتخذ موقفاً واضحاً في مسألة إعادة هيكلة الجيش بمعناه المباشر، إذ كان عليها، كما نتصور، أن تدعو إلى إقالة طرفي الصراع العسكري، وفي ذلك دعم للرئيس هادي.. وهذا سيجنب البلاد دورة جديدة من الصراع والمماحكات..
شخصياً، أعتقد أن هذا الأمر يخضع للقضايا التي تتعلق بالمهارات السياسية والتكتيكية لقيادات أحزاب المشترك، لأني أرى أن جملة القضايا المطروحة الآن هي خارج خبرتهم التقليدية..

- [مقاطعا] كيف..؟
هناك حزبان كبيران داخل اللقاء المشترك (الإصلاح والاشتراكي). حزب الإصلاح مهاراته كلها تكتيكية، بينما الحزب الاشتراكي كانت لديه مهارات في رسم الاستراتيجيات، من حيث التكتيكات هو أضعف. في اللقاء المشترك لن تجد حالة جمع خلاق بين خبرتي الحزبين، وهذا يلعب، بالفعل، دوراً كبيراً في ضياع مكاسب، تختصر الزمن على البلاد والعباد، زمن المعاناة والمتاعب.

- هناك نوع من الممانعة، و"تمردات" على قرارات الرئيس في ما يخص الجيش، وتدوير مواقع قياداته. هذا "التمرد" حاصل اليوم في مستويات ثانية داخل الجيش؛ هل تتوقع أنه عندما تمس هذه القرارات، مستقبلاً، مستويات أعلى، ستمر بسهولة، خاصة وأنه حدثت اليوم "تمردات" في مستويات أدنى؟ القيادات الأولى في ضفتي الصراع العسكري ما زالت باقية، ويتوقع كثيرون أن تصدر قرارات لاحقة من الرئيس هادي لإقالتها.. إذا كان من هم أدنى من هذه القيادات "تمردوا"، فهل تتوقع ألا "يتمرد" هؤلاء على القرارات المستقبلية التي ستشملهم؟
أتفق معك في توصيف هذا الأمر بالممانعة، وليس بالتمرد، ويبدو لي أن هذه الممانعة مرتبطة بتحسين شروط الخروج لا أقل ولا أكثر، وهي تفاصيلها كثيرة.

- إجابتك على المهارات السياسية والتكتيكية عميقة، لكن ألا تعتقد أن غياب موقف واضح للمشترك بشأن المطالبة بإقالة طرفي الصراع العسكري، عائد إلى اختلاف الأولويات داخل أحزاب المشترك. هم لا يتبنون إقالة طرفي الصراع العسكري، لأن هناك أطرافاً لا تتمثل أولوياتها في إقالة طرف بعينه حتى لو أدى ذلك إلى إقالة الطرف الآخر وتجنيب البلاد مشاكل كبيرة.

الآن كل أولوية مناقضة لأجندة المرحلة الانتقالية ستسقط، ولن تصمد، لأن أجندة المرحلة الانتقالية هي التي ستهيئ اليمن للانطلاقة، بعد عامين، إلى تنفيذ مطالب الثورة الشبابية السلمية، وبالذات وضع الأسس الحقيقية للدولة المدنية الحديثة. في هذا السياق ستكون الأولويات مختلفة نسبياً، وستأخذ بعداً صراعياً بارداً، وليس عنيفاً، بين حتى هذه الأحزاب نفسها. لأنه من أجندات المرحلة الانتقالية أجندات مدعومة بالمجتمع الدولي والشرعية الدولية، فبعد هيكلة الجيش تأتي مسألة الحوار الوطني، وبعد الحوار تأتي مسألة وضع الدستور، وعند وضع الدستور ستكون المعركة الحقيقية تجاه الدولة المدنية، لأن وضع نص دستوري يتعلق بذلك، يتطلب، أحياناً، نوعاً من توازن القوة، وهنا فأي خلافات حول طبيعة وجوهر ومضمون الدولة المدنية، سيجد الناس أنفسهم أمام صراع ستكون خلفياته فكرية وأيديولوجية، ومرتبطة بمصالح. بعدها ستكون الانتخابات النيابية، التي ستُحدد الأوزان للقوى السياسية، وبالتالي يجب ألا يغفل الشباب حضورهم السياسي، كونهم يُمثلون الشرعية الثورية، لهذا يجب أن يكون لهم وزن حقيقي في الحوار الوطني، وفي صياغة الدستور، وفي المجلس النيابي القادم.

- خلال الفترة الماضية كان هناك تجاوزات كبيرة من قبل عناصر تجمع الإصلاح عبر تكرر الاعتداءات على الناشطات والناشطين في الساحات، وهناك أيضاً اعتداءات أخرى كان آخرها على الزميل محمد المقالح، من قبل جنود الفرقة الأولى مدرع. للأسف تكررت هذه الاعتداءات، إلا أن المشترك لم يتخذ موقفاً واضحاً من هذه الممارسات. كيف يُمكن الحد من هذه الممارسات، وهي تُمثل، لدى كثيرين، تهديداً حقيقياً لاستمرار تكتل اللقاء المشترك؟
في الحقيقة، لم أقف على تفاصيل هذه القضايا، لكني كنت أسمع، من متابعتي للساحات، هذا النوع من الصراع، وفي كثير من الحالات هناك نزوع نحو الهيمنة من قبل حزب يرى نفسه الأكثر عدداً، والأكبر. ويبدو لي أن هذا النزوع نحو الهيمنة مبني على فهم معين للدور السياسي؛ من يعطي بالأكثر من حقه أن يُهيمن! كانت هذه تفاصيل هنا وهناك، لكن لأنها زادت وتجمعت أصبحت قضية حقيقية. أنا أقترح على أحزاب اللقاء المشترك أن يضعوها على الطاولة في ما بينهم، ويناقشوا هذا الموضوع بجدية، لأنه من الأشياء التي ستُقرر طبيعة العلاقة غداً.

- ندرك جميعاً نزوع الإصلاح نحو الهيمنة؛ ألا تخشى أن يتطور هذا الأمر إلى السيطرة على النظام الجديد؛ كما حدث في كل من مصر وتونس؟
أولاً أريد أن أوضح مسألة مهمة في هذه القضية؛ الإصلاح حزب سياسي يمثل قوى استراتيجية لها وزنها من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، ولا يمكن، على الإطلاق، تجاوز هذا الحزب في أي عمل تحالفي. في السياسة توجد مصالح، لكن ما جرى اليوم في اليمن ينقل الأمور من تحديد مواقع الناس على أساس توازن القوة، إلى تحديد مواقع الناس على أساس توازن المصالح. هذا الأمر هو ما نريد ترتيبه معاً، وهذا الترتيب، أي توازن المصالح، يجب أن يمأسس، أي يجب أن يكون دستورياً. وتوازن المصالح هنا ليس بين النخب السياسية، بل بين الفئات الاجتماعية المختلفة؛ مثلاً أنا لاحظت، وكنت أطرح هذا الكلام عندما تم تشكيل لجنة الحوار الوطني، أنهم قاموا بتمثيل كل الفئات الاجتماعية، والفئوية، في هذه اللجنة، لكنهم لم يمثلوا ولم يذكروا، على الإطلاق، وهذه مأساة انتقدت فيها الحزب الاشتراكي، الفلاحين والعمال، وهم فئة واسعة! أليس لهؤلاء مصلحة في هذا الوطن؟ وما هي حدود مصالحهم؟! أن تتجاهل هذه الفئة بالكامل، هذا أمر خطير. وهذا تم، مع الأسف، حتى في تفكير اليسار القائم اليوم، الذي تناسى هذا الأمر. عندما نقول نريد أن نمأسس هذا، فهذا يعني أننا نريده أن يكون مدخلاً للعدالة الاجتماعية. أنا شخصياً أرى أن المدخل إلى العدالة الاجتماعية ليس عن طريق أفكار، أو أيديولوجيات، بل أرى أن هذا المدخل هو عن طريق الاقتصاد السياسي، فلكي يكون حضوراً له صلة بالعدالة الاجتماعية للفلاحين، يجب أن يكون لديهم تعاونياتهم الفلاحية التي تجسد مصالحهم الاقتصادية المادية، وكذلك الحال بالنسبة للعمال؛ بالنسبة للعمال عندما نريد أن نمأسس اليوم، نقول بلاش قوانين من منظور اشتراكي، أو طبقي، هناك قوانين للعمل من العالم الرأسمالي نفسه، وهي تدخل ضمن القوانين الأولية للعمل، يجب أن تنضبط لها الشركات، وأن تنضبط لها النقابات، وبالتالي نحن نريد أن نشرع لهذه القوانين في إطار المأسسة لتوازن المصالح وفقاً للقانون الذي يحدد الحق المادي للناس.

مسألة الهيمنة ألاحظ أن هناك مستويين من الخلاف يحل بين أعضاء الحزب وأعضاء الإصلاح في الأعمال المشتركة؛ على المستوى القيادي لا يحصل هذا النوع من الخلاف، الذي يحصل على المستوى المحلي، ويزيد على المستوى الأدنى. هناك إدراك سياسي أكبر بكثير على المستوى الأعلى لحزب الإصلاح، ويتضاءل هذا الإدراك كلما نزلنا إلى المستويات المحلية، وربما أن البعد الأيديولوجي في هذه المستويات مكرس أكثر. وأنا أرى أن كل حزبين إذا وحدت مشكلات في ما بين أعضائهما، عليهم الجلوس معاً لحل هذه المشكلات، لأن أشكال هذه الهيمنة نلاحظها نحن في التفاصيل، في القضايا التفصيلية الصغيرة، وليس في القضايا الرئيسية الكبرى. ولهذا أقول إن تجربة التحالف السياسي في اليمن هي تجربة مهمة كثيراً دراستها، ونحن نلاحظ أن أحزاب اللقاء المشترك من خلال عملها المشترك، تطورت وتقدمت في مجال السياسة، ولو كانت أعمالها غير مشتركة ولا تحالفية، لكان الأمر اليوم مختلفاً عما هو عليه. لاحظ عندنا أن هذه الأحزاب في المشترك بدأت في الأول بالمعارضة اللفظية، بعد ذلك خلال 2005 عندما وقعوا على برنامج عمل مشترك، بدأت تدخل في مرحلة نسميها الممانعة، أي الرفض للاندراج في السياسات المرسومة من قبل النظام، لكن الممانعة ظلت لفظية من ناحية، وعدم المشاركة، دون الانتقال إلى عمل سياسي كبير ومباشر، في ما بعد تطور الموضوع إلى عمل معارضة جماهيرية من جماهير الأحزاب، وهناك الكثير من الوقائع السياسية التي تعكس هذا الأمر في أكثر من محافظة. وقبل انفجار الثورة الشبابية الشعبية، كان لهذه المعارضة جماهير تخرج في أكثر من مرة، لتعبر عن معارضتها للنظام.

حكومة الوفاق ما زالت تمثل شرعية سابقة
- ذكرت، في حديثك عن الفترة الانتقالية المتمثلة بالسنتين، دور الشباب، ودور القوى السياسية الأخرى. برأيك ما هو الشيء الملح الذي سيُحدد ملامح الدولة القادمة، خلال هذه الفترة الانتقالية؟ ما الذي يجب أن يعمله الشباب، والقوى السياسية، كي لا يتم إعادة إنتاج النظام القديم؟
شروط إعادة إنتاج النظام القديم، الكثير منها انهار، وبالتالي فعودة النظام القديم كما كان مسألة مستحيلة، غير واردة، حتى وإن استخدم أي أشكال مختلفة..

- [مقاطعاً] ما هي هذه الشروط التي كانت قائمة، وانهارت؟
مثلاً؛ القوى الفاعلة على الساحة السياسية أن تكون هي نخب القوى التقليدية، لكن النخب السياسية تتبدل، ووزنها يزداد، وأضيف اليوم إلى مجال السياسة عدد واسع من الناس، وعدد واسع من القيادات، وإزاحة هؤلاء من أجل رغبة لن تكون. فقط يجب أن تدرك هذه القوى ذاتها. لأنه إن لم تدرك ذاتها، فهي التي ستُضيع ذاتها، وليست الظروف. الثورة الشبابية جاءت بإضافة جديدة في المجال السياسي. كانت لديك في السابق فقط الشرعية الدستورية، الآن جاءت شرعية جديدة، وهي الشرعية الثورية، وهي اليوم لها قسط في التحولات التي تجري في البلاد.

المبادرة الخليجية هي عناوين رئيسية، وما ينقصها تمت تكملته بقرار 2014 لمجلس الأمن، وفيه أضيفت أشياء كثيرة لم تذكر في المبادرة الخليجية، وهي استجابة لطموح الشباب، أي استجابة للشرعية الثورية. ونلاحظ هذا الموضوع في نقطة معينة تشير إلى أنه إذا تمت مقاربة القضايا على نصوص الدستور القائم حالياً، لكن في حال وجد استعصاء، من الناحية الدستورية، لتنفيذ أشياء ذُكرت في المبادرة وذُكرت في الآلية التنفيذية وقرار مجلس الأمن، تُعطى الأحقية في ذلك ليس للدستور، ولكن للمبادرة. تم هذا استجابة للشرعية الثورية، وهذا يعني أن الشرعية الثورية فعلت شيئاً.

رئيس الجمهورية انتُخب بناءً على شرعية شعبية. حكومة الوفاق الوطني جاءت على خلفية الشرعية الثورية، وهي ما زالت تُمثل أحزاباً لشرعية سابقة. الذي أعطاها هذا الموقع، وهذه المكانة، هي الشرعية الثورية، التي تضمن قرار مجلس الأمن الكثير من مطالبها. لهذا يُفترض بحكومة الوفاق الوطني أن تعود، بين وقت وآخر، خلال تنفيذها لجملة القضايا والمسؤوليات، إلى هؤلاء الشباب، باعتبار أن خلفياتها خلفية ثورية، وليست أية خلفية أخرى، مع خلفية البنود والمواد العاملة من الدستور القائم.

- يشعر كثير من الشباب بأنهم لم ينتصروا. كثير منهم يشعرون بحالة من الإحباط، يعتقدون بأنهم لم يحققوا كثيراً مما كانوا يريدون. نعرف بعضهم في الساحات، وهم يظنون أنهم لم يحققوا شيئاً..
بالعكس الشرعية الثورية موجودة، وحققت الكثير.

- كيف؟
كان المجتمع الدولي متردداً في التدخل المباشر في شؤون اليمن، لكن الذي دفعه للتدخل هي 4 أشياء: النقطة الأولى: الإصرار الذي وجدوه لدى الشباب للمطالبة بالشعارات التي رفعوها، وقدموا من أجلها تضحيات كبيرة، دفعوا خلالها بعدد واسع جداً من الشهداء، إضافة إلى كثير من الجرحى والمعتقلين، ومع تزايد، أو ازدياد القمع، كان الإصرار يتزايد، وهذا جعل العالم يتجاوز النظرة إلى السياسة [باعتبارها] مجردة من الأخلاق، إلى استيعاب هذه الحقيقة في ما يتعلق بالقضايا اليمنية، لأن صور التضحيات التي كانت تُقدم كانت تعطي صوراً من النبل، كما تعطي صوراً من القبح للطرف الآخر.

النقطة الثانية، التي شجعت المجتمع الدولي للتدخل، تتمثل في الدعم الشعبي الذي وجده الشباب في كافة مدن الجمهورية وساحات التغيير. تدفق المساعدات المادية والمالية والغذائية بيّن للعالم أن الشعب يدعم هذه الحركة الشبابية ومطالبها. عندما أتحدث عن الحركة الشبابية لا أفصلها عن جذورها الأولى في سياق مسار تراكمي يتعلق بتضحيات الحراك السلمي الجنوبي، الذي تحول من قضية مطالب حقوقية إلى قضية سياسية عندما بدأ يُسير مواكب لدفن الشهداء، الذين كانوا يُقتلون من قبل قوات النظام، وعندما كان يقيم، باستمرار، مسيرات يوم الأسير الجنوبي.

النقطة الثالثة، التي جعلت المجتمع الدولي يخرج من تردده، هي إصرار الشباب على النضال السلمي، رغم أن كل ما كان يتم يستفز الناس إلى العنف، إلا أنه كان هناك إصرار شديد إلى العمل السلمي، ويمكن أن أقول إنه كان إصراراً نبيلاً له قيمة إنسانية.

النقطة الرابعة، وهي مهمة ويغفلها كثيرون، وهي تتمثل في تماسك المعارضة. تماسك المعارضة لعب دوراً مشجعاً للتدحل الدولي. من تدخل في اليمن هي الشرعية الدولية، لأن القرارات التي اتُّخذت بشأن اليمن خلت من صراع ذي أبعاد دولية ومصالح دول كبرى، فمجلس الأمن تدخل بشكل واحد متماسك، مع الدول الإقليمية، وهذا التدخل هو الذي غطى الفجوة في توازن القوى. لكن كل هذه القضايا أثمرت الشرعية الثورية. شرعية تأتي بمطالب ليست موجودة في الدستور، ولكنها مستمدة من حاجة الناس، ومن تطلعات الشباب. هذه هي الشرعية الثورية، وهي كانت من إنجاز الشباب.

كما أن الشرعية الثورية التي نتجت عن الثورة الشبابية الشعبية، أزاحت شرعيات سياسية قديمة، مثل الشرعية السياسية للرئاسة السابقة، وقد تم ذلك بخطوات تدريجية كانت تستجيب لتعقيدات الوضع اليمني.. والشرعية السياسية لمجلس النواب، ولذلك نلاحظ دوره اليوم لا يتعدى كونه مجرد عنصر من عناصر الآلية التنفيذية المزمنة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي تحت القرار 2014، وما أصاب مجلس النواب من حيث فقدانه شرعيته السياسية، تتوزع هذه الحقيقة على جملة الأحزاب التي تنضوي فيه، وتصاب بأضرار هذا الفقدان بقدر ما لديها من مقاعد في المجلس.

القوى التقليدية والبؤرة الرئيسية التي تأكل القوات المسلحة
- هؤلاء الشباب، الذين وصفت نضالهم السلمي بالنبيل، كانوا يخوضون، في الشهور الأولى للثورة، صراعاً من أجل التغيير، لكن لماذا يبدو المشهد اليوم وكأنه صراع من أجل السلطة؟
كما أشرت في الإجابة على سؤال سابق؛ أسفرت نتائج الانتخابات الرئاسية عن الوضع السياسي على هذه الحالة: قوى شرعية سياسية جديدة مسؤولة عن تنفيذ أسس ومتطلبات التغيير المحددة في أجندة المرحلة الانتقالية، لكنها بلا قوة، لأن القوة ما زالت في يد الشرعية السياسية السابقة. هذه القوى لا يزال لصراعها على السلطة ذيول مستمرة، وكما تلاحظون زاد التردي الأمني في مختلف المحافظات، ازداد نشاط ما يُسمى بـ"أنصار الشريعة" ليدخل محافظات أخرى، كما جرى مثلاً في البيضاء، وقتل المدرس الأمريكي في تعز، ومحاولات عديدة داخل عدن، ومحاولات الدخول إلى لحج، وضربات عديدة في حضرموت، وبعض القتال الذي يدور في مناطق محيطة بالعاصمة.. يقال إن هذا من نتائج قوى الصراع على السلطة. هؤلاء يريدون، لا أستطيع أن أقول كلهم، نقل هذه الأحداث كي يكون لها صدى سياسي، وتحتل هي الأولوية.

عندما جاءت الثورة الشبابية كان أول إنجازاتها أنها جعلت الصراع على السلطة في الهامش، وجعلت الصراع من أجل التغيير في المتن. وهذه المحاولات كلها من أجل نقل ما في الهامش إلى المتن، ونقل ما في المتن إلى الهامش. هذه إحدى المشكلات التي تفشل الآن. كان ممكناً أن يكون هذا الموضوع خطيراً إذا وجد صدى سياسياً، إذا تحول إلى أحداث سياسية، لكن كل هذه الأفعال لم تخرج أبعد من أنها جرائم جنائية لا أقل ولا أكثر. لم تأخذ صورة سياسية بحيث تُشكل بديلاً لهذا أو ذاك. والقرارات الأخيرة لإعادة تنظيم القوات المسلحة تخصم، بالنتيجة، من رصيد كان متوفراً لتلك القوى التي خرجت عن المشهد السياسي.

- الآن تبدو الشرعية الدستورية الجديدة في وضع ضعيف يُقابله توسع للانفلات الأمني، ولسيطرة "القاعدة"، وقد يتطور الأمر إلى اضطرابات.. ما هي مخاطر هذا الأمر؟
من أخطر مخرجات هذا النوع من الأمور هو إضعاف القوات المسلحة. ألاحظ، عندما أتابع الأخبار، أن نتائج المعارك مع تنظيم القاعدة، سلبية على القوات المسلحة؛ هي التي تفقد الأسلحة، وهي التي تفقد قتلى أكثر، وتستخدم معهم أحيانا أشكالاً مما تدخل في النفوس الرعب حتى يكون له صدى مختلف في أماكن أخرى. والملفت للانتباه أنه دائماً ما يتم ضرب مخازن الذخيرة التابعة للجيش. وهذه كلها تدخل في خانة محاولة إضعاف القوات المسلحة، وفقدانها جاهزينها، وقصران بنيتها، وهذا أمر يُشكل خطراً كبيراً يمكن أن يهيئ البلاد إلى سيناريو آخر غير هذا السيناريو الذي نراه الآن.

- ما هو هذا السيناريو؟
عندما أقارن البلدان التي جرى فيها إضعاف القوات المسلحة، مثل لبنان والعراق، نجد أن البديل فيها كان بروزاً للقوى السياسية التي تستند إلى الميليشيات، بروزاً للتمثيل المناطقي للسياسة، الأمر الذي يضعف من الدولة ولا يقويها. في هذه البلدان تغيب الدولة وتحضر هذه التقسيمات، حتى إنك إذا أردت أن تتذكر اسم وزير الخارجية لهذا النوع من البلدان، يمكن ذاكرتك لن تسعفك، لأن النشاط كله، بما في ذلك استقبال الضيوف، يأتي، إذا تجاوز رئيس الدولة أو رئيس البرلمان، إلى رؤساء الطوائف. هذا النوع من السيناريو لا يستبعد [في اليمن]، خاصة إذا استمر العمل بهذا الشكل. أنا أقول إن من الواجب الأساسي لرئيس الجمهورية الجديد الحس في اتجاه هذا الموضوع، وحسم البؤرة الرئيسية التي تأكل القوات المسلحة، وهي نشاط تنظيم القاعدة في البلاد.

- أفهم من كلامك أن استمرار الوضع على ما هو عليه في إضعاف "مؤسسة الجيش" وإضعاف السلطة الدستورية الجديدة، سيؤدي إلى إعادة إنتاج القوى التقليدية لذاتها..
يُمكن أن يؤدي إلى ذلك بأشكال أسوأ..

- [مقاطعاً] كيف؟
القوى التي تنتظم الآن في الإطار السياسي، وتمثل مشاريع سياسية، ستترك هذا الانتظام، في الغد، لتنتقل إلى تمثيل فئوي، وتستند إلى قوى ميليشوية. قد يؤدي هذا إلى هذا النوع من النتائج إن لم يتم حسم هذه القضايا بسرعة.

- كيف ترى مستقبل القوى التقليدية التي كانت ضمن نظام صالح؛ سواءً كانت هذه القوى قبلية أو عسكرية أو سياسية؟
عندما أتحدث عن القوى التقليدية فلا أقصد، على الإطلاق، البنية الاجتماعية، لأن هذه البنية الاجتماعية حقيقية وأصيلة موجودة في البلد. إنما أركز في الحديث على النخب السياسية لهذه البنى، وليس على البنية الاجتماعية، فهي بنية اجتماعية أصيلة وموجودة بحكم التاريخ والتراث، والصيرورة الحاصلة إلى اليوم. وهي أيضاً قوى قبلية واجتماعية مشاركة، بشكل كبير، في الثورة الشعبية الشبابية. أنا أتحدث عن النخب السياسية لهذه البنى التي تشتغل في السياسية، ولها مصالح قد لا تتفق مع مصالح عامة الناس، وقد لا تتفق حتى مع بناها التقليدية..

- أنت تقول إن الحاصل اليوم هو أن هذه القوى التقليدية تضعف، لكن يبدو أن هذه القوى تزيد قوة، وتحاول إعادة إنتاج شكلها.
أنا أقصد أنها تضعف، لأنها، نتيجة للثورة الشبابية، ونتيجة للتوجهات التي جرت، خسرت هي مواقعها السياسية النافذة. لم تعد قوية كما كانت. لكن يمكن أن تقوى، هذه القوى التقليدية، بمشروع مستقبلي آخر، وليس بالمشروع التقليدي السابق. الآن المعارضة الرئيسية، وهي اللقاء المشترك، غادرت مواقع المعارضة إلى المساهمة في حكومة الوفاق الوطني، أي ذهبت إلى السلطة، وبقي الفراغ الذي تركته، وعلى الشباب أن يُبلوروا أنفسهم سياسياً بحيث يملأوا هذا الفراغ، ولهم الحق في ملئه باعتبارهم أصحاب الشرعية الثورية. إذا ترك هذا الفراغ، فثمة سعي اليوم لدى كثير من نخب القوى التقليدية إلى ملء هذا الفراغ بأحزاب سياسية تحضر نفسها للعامين القادمين للعودة إلى السياسة بشكل أقوى عن طريق الانتخابات النيابية. اليوم يجب أن يتم السعي إلى تمثيل الشرعية الثورية تمثيلاً سياسياً، ويبدأ هذا التمثيل عبر المعارضة: أن يبدأ الشباب كمعارضة يراقبون حكومة الوفاق الوطني. يبدو لي أن هذا الأمر هو الأهم، إلا أنه غير داخل ضمن المدركات السياسية للشباب، ولقوى المجتمع المدني، ولقوى الحداثة. هذا أمر يجب أن تُثار حوله المناقشات، لأنه من أهم الأعمال المستقبلية والتكتيكية تتمثل في ملء هذا الفراغ.

- كيف يُمكن ملء هذا الفراغ؟
أن يدرك الشباب أنهم يمثلون الشرعية الثورية، ويتم تغيير وظيفة اللجنة التنظيمية للساحات، بحيث تقوم وظيفتها بنشاط سياسي لمراقبة تنفيذ مهام المرحلة الانتقالية والإسهام فيها. على الشباب أن يعملوا لأنفسهم برنامجاً سياسياً عملياً، وألا يرتهنوا لتدخلات أحزاب اللقاء المشترك في فرض أجندات معينة للدفع، أو للكبح، كما كان يحصل في السابق.

مشكلة أحزاب اللقاء المشترك أن خبرتها [قائمة] على أنها تشتغل مع الشرعية السياسية التقليدية، التي تأتي عبر البرلمان، وعندما جاءت الشرعية الثورية لم تتمكن من التلاؤم معها بشكل جيد، وظلت خلال الفترة [الماضية] تُحاول المقاربة بين مصلحة شرعية سياسية منتقصة، وشرعية سياسية جديدة، هي الشرعية الثورية، وهذا جعل كثيرين يرون أن بعض تصرفاتها خاطئة، أو هناك، كما أشرتم، من يرى أن أحزاب المشترك تسكت عن أمور يجب أن يكون لها فيها موقف. المراوحة بين الشرعيتين واحد من تعبيرات أزمة هذه الأحزاب. لكني أقول إنهم [قيادة المشترك] تصرفوا، إلى حد كبير، بمنطق معقول؛ بالنظر لتوازن القوى، السياسية والعسكرية والاجتماعية، على الأرض.

يفترض باللجنة التنظيمية للساحات أن تُغير وظيفتها ومضمون عملها
- لكن المشكلة أن اللجنة التنظيمية لا تمثل الشباب، أو الأحزاب السياسية، بل تبدو كما لو أنها تُمثل، وتُعبر عن القوى التقليدية.
حان الوقت الآن للشباب أن يستقلوا عن أحزابهم. في السابق كان لديهم أرضية مشتركة [مع الأحزاب]، وهي المعارضة، لكن اليوم أصبحت أحزاب المعارضة مشاركة في الحكم. يفترض باللجنة التنظيمية أن تُغير اليوم مضمون عملها بحيث يتحول إلى مضمون سياسي بحت، ويعبر عن أن الشباب يحتلون اليوم مساحة في المعارضة، ويُمثلون الشرعية الثورية. لذلك يُمكن إعادة تركيب اللجنة التنظيمية من حيث دوائرها وفقاً لبرنامج عملها الجديد. يفترض أن يعمل الشباب بشكل أكثر استقلالية عن الأحزاب السياسية التي انتقلت إلى السلطة.

- اللجنة التنظيمية تم تشكيلها وفقاً لمحاصصة حزبية تم إشراك فيها الشباب الأوائل الذين خرجوا في بدايات الثورة، لكن كثيرين خرجوا من اللجنة، ولم يبقَ فيها إلا ممثلو الأحزاب. أنت تتحدث عن اللجنة التنظيمية ودورها المفترض في المرحلة الانتقالية، بينما الساحات هي من فرضت وجود اللجنة التنظيمية.. هل يعني هذا أن الساحة ستظل طوال الفترة الانتقالية؟
بالنسبة للساحات، فأنا قلت سابقاً إنها وسيلة تكتيكية، وبالتالي يجب النظر إليها كوسيلة تكتيكية، وما إذا كان بقاؤها نافعاً لهم، وإلى أي مدى، أو لديهم وسائل تكتيكية أخرى تعوضهم عنها. لكن حان الوقت الآن إلى أن يتحول الشباب ككل، سواءً كانوا الحزبيين أو المستقلين، إلى معارضة تُمثل الشرعية الثورية، ومصالح هذه الشرعية وأهدافها، ويعملوا على مراقبة كيفية تنفيذها، ويعملوا على تأصيلها سياسياً في إطار مشروعهم الكبير الذي هو الدولة المدنية.

- برأيك، ما هو المأزق الذي تعيشه الثورة الشبابية الشعبية اليوم؟
لا أرى الأمر باعتباره مأزقاً بالنسبة للشباب، لأنه إذا غيروا طريقتهم في العمل، وإذا فهموا ذاتهم بشكل مختلف، فالآفاق أمامهم مفتوحة، وبالتالي لا وجود لمأزق. هناك حالة جمود مرتبطة بحالة من الارتباك للانتقال إلى دور ثانٍ للساحات، وللشباب الثوار، وهذا الدور أنا شرحته في أكثر من نقطة في حديثي السابق. إذا انتقلوا إلى هذا الدور فلا يوجد لديهم أي مأزق. هناك الآن جمود، لكن هذا الجمود إذا استمر سيؤدي إلى تفكك، لأن هناك مخاطر موجودة الآن في الساحات، وهي نشوء فرز يأخذ طابعاً أيديولوجياً، ونخشى أن يرتبط هذا الفرز ذو الطابع الأيديولوجي بتعبيرات مناطقية، وهذا سيشكل خطراً على مستقبل ثورة الشباب، لكن إذا خرج الشباب من حالة الجمود، وانخرطوا في أعمال سياسية أخرى، لن يستطيع الآخرون الذين يريدون أن يزرعوا حالات جديدة داخل الساحات، أو جماهير الثورة، تحقيق أي نجاح.

- كانت هناك، أثناء الثورة، محاولات لعسكرة الثورة، أو جرها وإخراجها من طابعها السلمي، وخلال ذلك تمت محاولات لجر المناطق ذات الطابع السلمي إلى العنف.. وما زالت هذه المحاولات مستمرة.. المجاميع المسلحة في تعز، أو في غيرها، ما زالت قائمة، وتُسبب مشكلة. إلى أي مدى سيضر هذا مستقبل الدولة القادمة، أو ملامحها؟
هذا الموضوع الآن يبتعد كثيراً عن عسكرة الثورة، لأن الثورة بسلميتها أنجزت هذا الإنجاز الكبير، وهذا الإنجاز لا ينفذ بواسطة [العنف]. الشرعية الدولية، مسنودة بدعم إقليمي، لن تُشجع على إيجاد مغذٍّ خارجي لهذا النوع من القضايا الذي يمكن أن يؤسس لأمراء حروب. ولأنه انتفى عن الثورة عسكرتها؛ بقي هذا الأمر يدخل في إطار القضايا المتعلقة بالصراع على السلطة، الذي يتم دائماً إضعافه باتخاذ المزيد من القرارات، كالقرارات التي اتُّخذت مؤخراً بتدوير المناصب [داخل الجيش]. وهذه القرارات تنزع مصادر قوة [لدى الشرعية الدستورية السابقة، التي أسقطتها الثورة].

- كان أهم ما يُميز ثورات الربيع العربي أنها قامت لتأسيس شرعية جديدة قائمة على الشعب خلافاً للشرعية العسكرية، التي قامت، منذ ستينيات القرن الماضي، وظلت تتحكم بالبلدان العربية، لكن في وضع اليمن انجرت الثورة، في فترة معينة، نحو صراع عسكري بين مراكز القوى التقليدية.. إلى أي مدى يُمكن أن يجر هذا الصراع نفسه على مستقبل اليمن؟
بالنسبة للثورات والعسكر؛ فالبلد الوحيد الذي نجا من هذه الإشكالية هو تونس، أما في مصر فما زالوا يشعرون هناك أن العسكر لم يتخلوا عن ممارسة الدور السياسي، بدليل أن واحداً من المرشحين للانتخابات الرئاسية واحد من المؤسسة العسكرية. بالنسبة لليبيا؛ انتهى الموضوع إلى العسكرة بشكل كامل، والآن تلاحظون مسارها بشكل كبير. بالنسبة لسوريا؛ فنتيجة لصراع دولي قائم، وعدم اتفاق شرعية دولية، على عكس القائم في اليمن.. تجد أن البعد العسكري [حاضر]، سواءً كان من قبل السلطة، أو من قبل المعارضة. بالنسبة لليمن؛ فالثورة كانت بعيدة عن العسكرة، صراعات السلطة هي التي أوجدت هذا الجانب العسكري، وهو الآن يخفت، يخفت. ليس له مستقبل للصعود، إلا إذا كانت هناك مفاجآت أخرى، لكن، من خلال المعطيات التي نراها على الواقع، فالجانب العسكري يضعف ولا يقوى.

- لكن هناك مخاوف حقيقية لدى كثيرين من دور "هيئة أنصار الثورة"، المتمثل بالقوى العسكرية التي أعلنت تأييدها للثورة.. مخاوف من أن تفرض هذه القوى العسكرية نفسها كوصي ليس على الثورة فقط، وإنما على مستقبل اليمن خلال الفترة القادم.
إذا تم اجتذاب هؤلاء، الذين يسمونهم "أنصار الثورة"، وتم توظيفهم ضمن القوات المسلحة، وتأهيلهم، وتوزيعهم ضمن الهيكلة التقنية والعلمية، فلن يشكلوا لا نفوذاً لأحد، ولا أي خطر على أحد. من ناحية أخرى؛ فالكثير من هؤلاء يختلفون من حيث وعيهم، من حيث موقفهم، النفسي والاجتماعي، والثقافي، عن هذه القوى التي وجدت فرصة لتجنيدهم. لهذا أقول: يجب عدم مناقشة هيكلة القوات المسلحة على أساس تسييس هذه القضية، لأنه عند تسييس هذه القضية تأخذ بعين الاعتبار وجود كل هذه التفاصيل لكي تكون موجودة.

- ما تصورك لإقامة الدولة المدنية؟
أولاً أنا أُفضل إبعاد الجدال الأيديولوجي عن تأسيس الدولة المدنية، لأننا لو دخلنا في جدال أيديولوجي لتأسيس الدولة المدنية، سنصل إلى عدم اتفاق، بشكل حقيقي. ما هي وظائف الدولة المدنية؛ السياسية، والحقوقية، وموقع الشعب فيها؟ هذا هو الذي يجب أن نؤكد عليه بدرجة رئيسية.

القضية الجنوبية
- يجري الترتيب اليوم لمؤتمر الحوار الوطني.. هل أنت متفائل بقدرته على إيجاد حلول لقضايا كبيرة؛ كشكل الدولة، كالقضية الجنوبية، حل المشكلة في صعدة..؟
أظن أن على الحوار الوطني أن يبدأ بتصنيف وفرز القضايا لتحديد حجمها الفعلي لمشكلة البلاد حتى يتم ترتيب الأمور على أساس أولويات ليست مصلحية، ولكن أولويات ذات طابع استراتيجي ملح لتوفير حالة من الاستقرار للبلاد، ويُحافظ على وحدتها في إطار عاجل ووطني يُعيد الحقوق إلى أصحابها. وبالتالي أرى أن القضية الجنوبية تختلف عن قضية صعدة، أو عن قضية تهامة، أو عن أية قضية أخرى، لاعتبار. أولاً: القضية الجنوبية تتعلق بالوحدة من استمرارها، أو انفراطها، وبالتالي فمعالجة هذه القضية تأخذ مسألة معالجة قضية الدولة وشكلها في الأساس، أما قضية صعدة، والقضايا الأخرى، فتدخل ضمن القضايا التي يُمكن أن تُحل عبر المسألة الديمقراطية داخلياً، لهذا يجب أن يتم فرز القضايا، بهذا الشكل، كي نعطي الأولوية بشكل حقيقي، مع الأخذ بالاعتبار أن هذا النوع من المشكلات لا يتم حله بالقوة أو بالعنف. بعض التصرفات، وبعض الآراء، تقوم على حالة من حالات الاستقواء، وهذا أمر خاطئ.

القضية الجنوبية لا يُمكن أن تُحل إلا في إطار من التفاهم بين القوى السياسية في الشمال والجنوب. هذا القضية ليست طائفية، ليست مذهبية، هي قضية سياسية بدرجة أولى تتعلق باستمرارية الوحدة من عدم استمراريتها، واستمرارية الوحدة ترتبط بالحل العادل لهذه القضية. هناك أطروحات مختلفة ترى أن القضية الجنوبية قضية دولة؛ فالجمهورية اليمنية قائمة من اتحاد بين دولتين هما: الجمهورية العربية اليمنية، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. يجب النظر إلى الأمور من هذا المنطلق، ولا أقصد من هذا القضية الاجتماعية والتاريخية التي تقول، مثلاً، بين شمال وبين جنوب. هي بين دولتين وحكومتين، لهذا فالقضية سياسية، بدرجة رئيسية، وحلها يجب أن يتم سياسياً. حرب 94 عطلت هذا الأمر، واحتكرت فوائد حل الصراع الذي كان بين الشريكين باستخدام القوة، وانتهى الأمر إلى أن النخبة السياسية النافذة والحاكمة في البلاد احتكرت كل الفوائد. وبالتالي أرى أن الأولوية للقضية الجنوبية، وتأتي بعدها القضايا التي يُمكن حلها بشكل ديمقراطي، ثم تأتي، بعدها، القضايا التي يُمكن حلها بأسلوب العدالة الانتقالية، لأنها تتجاوز الأنظمة والأحزاب إلى الظلم الذي وقع على الأفراد خلال العقود السابقة. هناك موضوع رئيسي: الدولة المدنية، وهذه يجب بناؤها ليس من خلال التفسيرات الأيديولوجية للدولة المدنية، ولكن من خلال المواصفات والشروط المطلوبة لبناء دولة مدنية؛ من ناحية عملية وسياسية.

- لا أعرف كيف سيكون بإمكان مؤتمر الحوار الوطني أن يُقدم حلاً للقضية الجنوبية. بمعنى؛ اللقاء المشترك لم يُنجز رؤية واضحة لكيفية حل هذه القضية. الإصلاح ضد الفيدرالية، والأستاذ أنيس حسن يحيى قال، في حوار نشرته "الشارع" الأسبوع الماضي، إن الاشتراكي توصل إلى تبني الفيدرالية من إقليميين، من أجل الحفاظ على الوحدة، على أمل توسيعها، بعد ذلك، إلى فيدرالية من أقاليم عدة. كذلك؛ كيف يُمكن لمؤتمر الحوار الوطني أن يُقدم حلاً للقضية الجنوبية في ظل ممانعة قيادات الحراك الجنوبية في حضور مؤتمر الحوار؟
لا بد من التعرف على أسباب هذه الممانعة. الحراك هو، أيضاً، فصائل عديدة، والمعارضة في الخارج أكثر من فصيل، وما نراه اليوم بشأن القضية الجنوبية، في العمل السياسي، هو صراع من أجل احتكار تمثيلها. كل طرف يدعي أنه هو يُمثلها. في الأخير [يجب] رد القضية إلى الشعب، الذي سيلعب دوراً في تحديد من يُمثله.

- [مقاطعاً] كيف يُمكن رد القضية إلى الشعب؟
بالنسبة إلى هؤلاء؛ يُمكن إذا جاءت انتخابات أن يُشاركوا فيها، ويرى كم الأصوات التي سيحصلون عليها، أو لا بد من الاتفاق بين هذه الفصائل كلها من خلال إقامة مؤتمر بين الجنوبيين ككل للخروج بـ"تمثيل يكون على أساس مشروع سياسي، وليس على أساس التمثيل الجهوري".

هذه الممانعة، التي أشرت إليها، تأتي، مثلاً، من قبل قوى سياسية هنا في الشمال كانت مشاركة في حرب 94، تُصعد كثيراً من الموقف مما يخلق أزمة ثقة بين كل الأطراف، وأهم شيء هو توفير الكثير من إجراءات الثقة. الحزب الاشتراكي يعمل الآن على المستوى الداخلي لتقديم تصور للجميع في كيف يُمكن الإعداد لحوار وطني شامل يكون قابلاً للنجاح، وسيُعلن هذا التصور قريباً.

* قلت إن الحزب الاشتراكي خبير في وضع الإستراتيجية، بينما هو ضعيف في التكتيك.. والآن تبنى الاشتراكي، كما عرفنا، خيار الفيدرالية بين إقليمين، رغم أن الحراك الجنوبي له سنوات. هل يعني هذا أن ضعف الاشتراكي في التكتيك سبب إبطائه في تبني هذا الخيار حتى الآن؟
لا. الاشتراكي حتى الآن يُناقش هذا الخيار، لكن عليه أن يُعلنه بعد تبنيه بشكل رسمي ضمن هيئاته الحزبية. الاشتراكي ناقش هذا الموضوع مع أحزاب اللقاء المشترك، ووارد في برنامج الإنقاذ لأحزاب المشترك، الذين رفضوا، حينها، أن ينص رأي الاشتراكي على الحل الفيدرالي الثنائي. حرصاً على عدم انفراط هذا التحالف، وعلى عدم الاختلاف بشكل كبير؛ قبل الحزب الاشتراكي، وقتذاك، أن يُثبت الحل الفيدرالي، وعندما يحين الوقت ستتم المناقشة. لكن الاشتراكي يعمل على التالي: إن القضية الجنوبية لا يُمكن أن تُحل، أو يتم حلها، إلا من خلال كل الحركة السياسية الوطنية، وإلا سيصبح الأمر، مُجدداً، موضوع شقاق، ويؤدي إلى مشكلات كبيرة، وبالتالي هو نجح [يقصد الاشتراكي] في إقناع حلفائه في اللقاء المشترك بأن ثمة مشكلة في الجنوب نتيجة لحرب 94، والسياسات التي اتُّخذت، ولو عدتم إلى بيانات هذه الأحزاب السياسية، ستجدون هذه الحقيقة موجود ومتبلورة لدى هذه الأحزاب، لكن لم يصلوا إلى مخرج وحل بشأنها. هناك الآن آراء تناقش كالحكم واسع الصلاحيات، أو الحل بالطريقة التي اتُّخذت بها وثيقة العهد والاتفاق، وهذه الآراء تُناقش، إلا أن الكل لم يصل إلى بلورة نهائية لموقفه من هذه القضية. صارت الفيدرالية، كما نشعر، مقبولة عند شركاء الحزب الاشتراكي، غير أنه ليس واضحاً أي نوع من الفيدرالية: فيدرالية إدارية، فيدرالية تأخذ البلاد على وحدات دستورية.. ما زال يُناقش ذلك حتى الآن. وبالنسبة لهذا؛ فمعروف من الناحية التكتيكية أن الناس عندما يطرحون سياسيات يرفعون السقوف عالية ليصلوا إلى حلول وسط.

* أنت برأيك الشخصي؛ كيف ترى الحل للقضية الجنوبية؟
نحن في عالم لا يتم رسم الخرائط السياسية فيه على أساس جغرافي، أو إعادة رسمها برغبة من ذات البلدان، أو برغبة الدول الإقليمية. هذا الأمر محتكر، بشكل قاطع، للدول العظمى، وهي التي تلعب دوراً في تحديد هذا النوع من الحلول. حتى الآن ما نسمعه أنه لا وجود لإعادة رسم خارطة سياسية في اليمن، لكن هذه الدول الكبرى، وهي ترسم، أو تُعيد رسم الخرائط، فلا ترسمها على أساس بلد معين، بل ترسمها على أساس إقليم بأكمله. عندما نقرأ الآن عن تقسيم، أو مشاريع قديمة رُسمت، أو مشاريع مستقبلية ستُرسم، فلا نجد ما يشمل اليمن فيها. بالتالي؛ فعندما نجد الوثائق الدولية فهي تنص على وحدة اليمن، ولاحظ، بالمقابل أيضاً، فهم [يقصد الغرب] دقيقون عند إصدار البيانات في المفاهيم؛ هم يقولون: استقرار ووحدة البلد، ولا يقولون استقرار والوحدة اليمنية. لا يشترطون هذا الشرط، يقولون وحدة البلد، وهذا يعني أي شكل للنظام السياسي يبدل ويأخذ أشكالاً مختلفة للدولة، لا يعترضون عليه، وربما يشجعون عليه الآن. أُلاحظ الآن هناك اهتماماً في ما يتعلق بمراكز البحوث والدراسات، وفرق الأزمات الدولية، في ملامسة القضية الجنوبية كواحدة من مشكلات اليمن، وهم يطرحون حلولاً عديدة، كان آخرها ما حمله تقرير أخير للجنة الأزمات الدولية. إذا لا يوجد تفهم دولي، إقليمي، محلي، على خارطة معينة، ستظل المشكلة مستمرة.

* لكني أرى أن التطورات الحالية لا تُنبئ باستقرار البلد، استقرار تنشأ عنه دولة مركزية قوية قائمة على القانون والمواطنة المتساوية، أو تقوم على نمط مختلف عما كان قائماً عليه نظام علي عبدالله صالح.. لهذا فربما هذا التأخير سيُعمق الشرخ، وسيدفع بالجنوبيين إلى خيار أبعد من الفيدرالية، سيصبح فيه الانفصال خياراً وحيداً أمام كثير من الجنوبيين.
ربما. هذه مسائل يُمكن تكون واردة، لكن إذا هناك رسم لخارطة، فلن تكون ذات الخارطة السابقة.

* السابقة على مايو 1990؟
على 22 مايو 90.

* هل أنت مع الرأي الذي يقول بأن الانفصال سيؤدي إلى تشظي الجنوب؟ وألا تعتقد أن في هذا الرأي نوعاً من الوصاية على الجنوب: إما أن تبقى في الوحدة، أو ستتشظى؟
لا. هذا التشظي قد لا يشمل الجنوب فقط. قد يشمل خارطة الشمال أيضاً، لأن هناك مشكلات مزمنة أيضاً، وإن كان حلها يأتي ضمن المسألة الديمقراطية، لكن، على المدى المنظور، لا يوجد شيء من هذا القبيل، فالحلول المقبولة، كما يُمكن ملاحظتها، فهي في تغيير شكل الدولة، ونظامها السياسي، بدرجة رئيسية، وكل شيء مرهون بالقوى الداخلية، وإدراكها في الدفاع عن صورة بلدها الذي تريد أن تراه.

* يبدو من حديثك أنك تُراهن كثيراً على الديمقراطية، رغم، وهذا رأي معروف، أن الديمقراطية لا تضع حلولاً للمشاكل العامة والرئيسية والمستعصية للبلاد، بل تُدير بلداً..
أقصد الديمقراطية في إطار الممارسة، فبعد أن تُوضع حلول للقضايا، فاستمرارية نجاح حلول هذه القضايا وإدارتها تشترط الديمقراطية. بمعنى آخر؛ كانت هناك حلول مقترحة من المؤتمر الشعبي العام، إلا أنها كانت تسقط باستمرار، لأنها كانت تُطرح على صيغ غير ديمقراطية، وبعيدة عن المسألة الديمقراطية. وهذا أدى إلى استفحال المشاكل. والديمقراطية التي أعنيها هي أخذ الآخر بالاعتبار، وعدم إلغائه، وعدم إقصائه، وعدم تهميشه.

* كلام جميل، لكني أتصور أن حل المشاكل الرئيسية في البلد، كالقضية الجنوبية، أو قضية صعدة، أو غيرهما، سيكون بوجود دولة قوية قائمة على النظام والقانون، والمواطنة المتساوية. هذا سيكون هو الحل الحقيقي، أفضل من عقد مؤتمر وطني. لا أتصور أن المؤتمر الوطني، أياً كان، وأياً كانت طريقة إدارته، سيخرج بحلول مرضية للجميع، أو سيخرج بحل لهذه القضايا. في أمريكا؛ كانت هناك حركات كثيرة مطالبة وداعية لانفصال بعض الولايات، إلا أن الدولة القوية في أمريكا هي من فرضت الوحدة الفيدرالية لأمريكا.
هذا صحيح، لكن عندنا توجد كُتل اجتماعية وسياسية ثقيلة لا بد من حضورها. هذه الكتل ليست كموجود قضايا فقط، بل لها تجسيداتها الجغرافية، والتاريخية، والبشرية الإنسانية. لا بد من حضور هذه الكُتل القائمة لكي تجد ذاتها في المشاركة في السياسة، وفي القرار.

أقصد هنا أن التاريخ كثيف الحضور في اليمن، بينما الولايات المتحدة الأمريكية، وبالرجوع إلى زمن تأسيسها، فهو حديث، لهذا فهي متخففة من التاريخ. وفي القرون الـ3، وربما التي تسجل وجود وتطور الدولة والنظام السياسي الأمريكي، فإن التاريخ، على سنواته القصيرة، هو إبداع، بينما التاريخ لدينا أبعاد ماضوية تتنامى المشاكل فيها وخلالها، ولا تزال بمعطياتها الراكدة فينا تحتل الحاضر، وتثقل كاهل كل مواطن معاصر في اليمن. لكن التاريخ الإنساني، مهما كانت تنوعاته وتمظهراته المختلفة، فيه من المتشابهات الكثير، وبهذا الصدد لنا أن نتذكر، أيضاً، الجوانب المظلمة من صيرورات التاريخ الأمريكي، فالوجود الإنساني والثقافي للهنود الحمر قد تضاءل كثيراً، كماً ونوعاً، كما أن الأمريكيين السود من أصول أفريقية، وإن تم تحريرهم من العبودية في فترة حكم أبراهام لينكولن، وتحقيق وحدة الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه لم يتم الاعتراف بحقوقهم المدنية إلا في الثلث الأخير من ستينيات القرن الماضي. على أية حال؛ ما يمكن أن نتعلمه من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، هو أنه بلد لا يقدس "الثوابت" البشرية في مجالات الحياة الإنسانية على أصعدة السياسة والاقتصاد وغيرهما، إذا تجاوزتها الحياة، وأصبحت معضلة تتناسل منها أزمات الحياة، فنحن نسمع دائماً لدى ذكر نصوص من الدستور الأمريكي ترفق بعبارة التعديل الأول، أو الثاني إلخ، وكل تلك التعديلات تتم بناءً على متطلبات الحياة، والاستجابة لمصالح الناس، على قاعدة توازن المصالح كلما كان ذلك ضرورياً. أما نحن تتعفن حياتنا تحت أي من النصوص الدستورية كلما كان ذلك لمصلحة القوى المستبدة. وإلى ذلك؛ فالولايات المتحدة، أيضاً، دولة فيدرالية متماسكة، والمواطنة فيها أمريكية صارخة، والهويات ليست لها صلة بالسياسة وأمراضها. هذا ما يمكن أن نتعلمه من التجربة الأمريكية.

* هل تبلور لديكم، سواء في الاشتراكي، أو في المشترك، تصور لكيفية التعامل مع الفصائل المتعددة للحراك، سواءً في الداخل أو في الخارج..؟ ويبدو من المشهد اليوم أن هناك مشكلة؛ هم يطرحون حواراً بين شمال وجنوب، أيضاً أنت أشرت إلى مسألة مهمة، وهي وجود صراع، داخل الحراك، على تمثيل القضية الجنوبية؛ كيف يُمكن إدخال هذه الأطراف في الحوار، ثم من يُمثل الجنوب..؟
هذا ما أشرت إليه في البداية؛ يجب أن يكون هناك أشياء كثيرة تسبق الحوار الوطني، وتحظى هذه الأشياء بمساهمة كل الأحزاب بجهودها الذاتية، والخاصة، المرتبطة طبيعة علاقاتها بكل الأطراف، وهذا لم يتم حتى الآن، للأسف. وأظن أن هذا لو تم، ووُجد تفهم مشترك للقضايا، فسيُقلص من جوانب الخلاف، أكثر مما سيتوسع لو تم إهمال هذا البعد. لدى الحزب الاشتراكي، الآن، تصور لكيفية التفاعل الإيجابي مع كافة هذه الأطراف كلها؛ كخطوة تُمهد للحوار الوطني، وتُساعد على إنجاحه.

الهوية والحراك الجنوبي
* منذ أن بدأ الحراك في الجنوب كان يُعبر عن مشاكل واقعية موجودة في الجنوب. مع الزمن؛ بدأ هذا الحراك يأخذ نبرة جنوبية متشددة في معاداة كل ما هو شمالي؛ سواءً كان النظام، أو الشعب. وتم هذا باتجاه البعض للبحث في أصول كثير من الجنوبيين.. كيف ترى هذه المسألة؟
في الحقيقة؛ هذه ليست من ثقافة الناس، لأن الجنوبيين، وكثيراً من قيادات الحراك، تربوا في المدرسة الوطنية؛ عندما نجح الحزب الاشتراكي في جعل الهوية هوية حضارية استوعبت كل اليمنيين. في أيام ذلك الحكم؛ كانت الجنسية اليمنية واحدة ينتمي إليها كل أبناء اليمن الطبيعية، وكان لكل يمني الحق في كل شيء في تلك الدولة. في فترة الاستعمار في الجنوب وُجدت فكرتان وسياستان تتصارعان: فكرة الجنوب بهوية يمنية، أو الجنوب بهوية خاصة؛ قبلية واجتماعية. الأولى تمت تحت تسمية "الجنوب العربي". الصراع السياسي، مع المد القومي العربي، الذي كان موجوداً، والثقافة التي كان يبلورها في وعي الناس، في كل البلدان العربية، فحسم أن هوية الجنوب يمنية، وعليه تأسست جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وتربى الناس تحت هذه الثقافة مع شوق نحو تحقيق الوحدة اليمنية. ربما كانت بمفاهيم تختلف عن المفاهيم التي تحققت بها الوحدة في ما بعد. لكن قيمة الحراك السياسي والاجتماعي السلمي في الجنوب؛ أستطيع أن أقول، بدون تردد، إنه كان من أبرز وأهم الأحداث السياسية منذ ما بعد تحقيق الوحدة اليمنية. والحقيقة أن الحراك، في بداياته الأولى، استطاع أن يُعبر عن الجنوب؛ باعتبار أن الحراك السلمي الجنوبي هو ثورة الكرامة. لماذا ثورة الكرامة؟ لأنه بعد 94 كانت هناك سياسات ممنهجة في السلطة، ولدى المنتصرين في 94، على إلغاء أي اعتبار للمواطن الجنوبي، عبر ضرب كل مكتسباته، التي تحققت له من دولته السابقة، ومحاولة لطمس التاريخ، ومحاولة كبيرة لطمس هويته السياسية الحضارية، وهي تختلف عن الهوية السياسية التي كانت في الشمال. مس هذا، إلى حد كبير، الإساءة إلى المتاحف، وكانت تُقام، كل عام، يُقيمها التوجيه المعنوي، وفي كل عام كان ينتقص شيء من تاريخ ثورة 14 أكتوبر، بحيث يُريد أن يخلص إلى أن هذه الثورة لا حدث، أو حدث هلامي. تم إخراج الناس من وظائفهم وأعمالهم باستغلال ظروف ومسميات كثيرة كالإصلاحات الإدارية، التقاعد، وغيرها من السياسات والأساليب. إلى جانب ذلك؛ كان هناك نوع من الإمعان في محاولة إذلال المواطن الجنوبي؛ كإبعاد موظف ولو كان موظفاً صغيراً في مستوى مدير إدارة، ويتم الإتيان بالبديل من المحافظات الشمالية! أقول أنا؛ لا اعتراض أن يأتي من الشمال موظفون إداريون بمسؤوليات حكومية ومختلفة في الجنوب، لكن أن يتم ذلك بطريقة الإحلال وفق سياق ممنهج، فهذا هو الذي أزعج الناس. لهذا؛ لما قام الحراك، وبدأ بالعسكريين، ثم انتشر وازداد وانضموا إليه من مختلف الفئات، مثّل، في لحظته الأولى، ثورة للكرامة، وأعطى صورة عن قدرة الجنوبي على أن يأخذ زمام أمره بيده، وأن يُعيد الاعتبار لذاته. في الأيام الأولى للحراك؛ لم يكن هناك أية مطالبات تنشد الانفصال، بقدر ما كانت تنشد المواطنة المتساوية، إنما تم، بعد ذلك، مجابهة هذا الحراك، وفعالياته، وهي سلمية ودستورية أيضاً، بالقمع، والقمع الدموي أيضاً.

وتمكن الحزب الاشتراكي، ضمن هذا السياق، من أن يؤسس في مختلف المحافظات والمديريات مجالس تنسيق الفعاليات السياسية والشخصيات الاجتماعية، وهذا وسع من هذه الأطر، وتأسست حركة تجمع كل هذه الروافد، سواء من العسكريين، أو الشخصيات الاجتماعية، أو الفعاليات الشبابية، وهي ما سمي حينها بـ"حركة نجاح"، وهذه كانت تسير في إطار واضح تماماً تطرح قضايا تتعلق بتصحيح الأوضاع في البلاد، تحت تسمية استعادة الدولة، والمقصود باستعادة الدولة، حينها، هو استعادة شروط الوحدة، التي قامت على أساس دولتين، ولم يكن بنزعة انفصالية.

بدأ الجنوبيون، بعد ذاك، بدلاً من أن يستمروا في المطالب الحقوقية، يودعون الشهداء، ويُعالجون الجرحى، ويُتابعون قضايا الأسرى، وهذا أدى إلى الشعور بوجود سياسة خاصة موجهة تجاه الجنوب، وكأن الجنوب يعيش ضمن قوانين حالات الطوارئ، فانتقل الأمر إلى مطالب سياسية، ووضع الحراك، بشكل واضح وصريح، القضية الجنوبية على الطاولة، لم يتم التراجع بشأنها. هنا أخذ الموضوع بعداً سياسياً، وتميزت بشكل صريح وواضح القضية الجنوبية، خاصة وأن الجنوبيين لم يكونوا يشاهدون أو يلمسون أي مواقف تضامنية ذات طابع جماهيري، من الشمال، وهذا أدى إلى حالة من الشعور بالجنوبية، وهذا يختلف انعكاسه النفسي، وانعكاسه في الوعي بين الناس؛ بحسب مقدراتهم الثقافية وفكرهم السياسي. هنا؛ أخذ هذا الموضوع سمتين؛ الأولى، كما أشرت، إنسانية لرد الكرامة، ثم انتقل الموضوع إلى سياسي. وأنا أرى أن الحراك السلمي لعب دوراً تاريخياً. لماذا؟ لأن كل مشاريع السلطة، العلنية أو المستترة، التي كانت تسعى إلى تطبيق سياسات الضم والإلحاق للجنوب بالكامل، وتحويل الجنوبيين من مواطنين إلى رعايا، سقطت منذ قيام الحراك، ودخلت السلطة السياسية في دوامة، ومشكلات كبيرة. بعد قيام الحراك لم تعد السلطة تحكم البلد كما كانت تحكمه، فقد حصل نوع من إضعاف قدرتها، ولأن الحراك استطاع أن يضرب نموذجاً، بتحدي الموانع والقسر الأمني والعسكري، بما هو متاح دستورياً، خرج بالاعتصامات، وخرج بالمظاهرات، وخرج بالمسيرات، وهو يتحدى السلطة، وكان كل ذلك ينسجم مع الدستور، ويتفوق أخلاقياً على السلطة، والأوامر التي كانت تصدرها، بل ووصلت الأمور إلى أن اضطرت السلطة، أحياناً، إلى الاستجابة لمحاكمة بعض العسكريين، وبعض الجنود، لكنها كانت تماطل، وتتخلى عن هذا الموضوع بين وقت وآخر.

بعد ذلك، جاءت الثورة الشبابية في نفس السياق. حتى "جمعة الكرامة" سُميت بهذا الاسم لأنه كان فيها إساءة إلى اعتبار الإنسان. أنا أرى أن الثورة الشبابية مفصل من ذات الذراع، أقصد ذراع الشعب التي ضربت خصومها. لأن هذه الأحداث جرت في إطار دولة واحدة، في إطار مجتمع واحد، في إطار سلطة واحدة، لكنها كانت تُمارس سياسات تمييزية هنا وهناك.

في حركة "نجاح"، كان للحزب الاشتراكي تأثير كبير وحقيقي لا يستطيع أحد أن يُجادل بشأنه. مع توسع الحركة، ومع شعور القوى الحاكمة والنافذة في البلاد بالمأزق، بدأت تتدخل وتثير كل النزاعات التي كانت ذات طابع صراعي في الجنوب أثناء حكم الحزب الاشتراكي، وما قبله، فنشأت أسئلة، وأثيرت، من نوع: متى بدأت القضية؟ "نجاح"، مثلاً، وكثير من الإخوة في الحراك، يرون أن هذه القضية بدأت بعد حرب 94. جماعة آخرون أجابوا على هذا السؤال بالقول إن القضية الجنوبية بدأت عام 1990؛ عندما تم إقصاء وتهميش كوادر الحزب وعناصر القوات المسلحة، الذين كانوا ضحايا حرب 86، الذين جاؤوا إلى الشمال، أو الذين كانوا محسوبين عليهم، وبقوا في الجنوب، وتم استثناء كل هؤلاء عند ترتيب أوضاع السلطة مع بداية الوحدة. كذلك؛ أجابت على هذا السؤال القوى السابقة على الاستقلال، من سلاطين وأمراء ومشائخ، أو الذين قيل إنه تم نسيانهم في هذه الوحدة، وقال هؤلاء إن القضية الجنوبية تبدأ مع استقلال الجنوب في 1967، أو قبله.

بناءً على الإجابة على هذه الأسئلة، وطبيعة القوى التي تتمحور حول هذه الإجابات، تشظى الحراك وأصبح يحمل تعابير مختلفة. أنتم تلاحظون هنا الجماعة الذين يسمون أنفسهم "جماعة جنوبيي صنعاء"، وهؤلاء هم من جماعة 13 يناير، الذين خرجوا من الجنوب، عقب حرب 86، ومجموعة المشائخ والسلاطين، الذين تضرروا من إجراءات الثورة في الجنوب. لكن لا يمكن محاكمة أو قياس إيجابية، أو عدم إيجابية حدث معين، إلا ضمن ظروفه التاريخية، وهذه مسألة مهمة كثيراً. وبالتالي؛ لا يمكن حل القضية الجنوبية إلا بأفق وطني مستقبلي، أما إذا أعطيتها بعداً ماضوياً فستسبح باستمرار نحو الماضي، وهذا سيؤدي بالقضية إلى أنها تتشظى أكثر من أنها تظل متماسكة. وأنا أرى بأن حواراً جنوبياً -جنوبياً يخلص من هذا الوضع، ويعطي لحل القضية الجنوبية أفقاً وطنياً بنظرة مستقبلية يمنية، أفضل مما ستؤول إليه مما لو ظلت هذه الدوائر تتشتت باستمرار. أنت، مثلاً، ستلاحظ موقف حزب الرابطة؛ موقفاً ناقداً، أو يرفض اتفاق القاهرة، لأنه يقول إن هذا الاتفاق يجمع فقط جماعة الحزب الاشتراكي الذي كان حاكماً عندما تم التوقيع على الوحدة، والجماعة الذين تأسسوا هنا في صنعاء، وهم من آثار 86، لديهم نظرة، مثلاً، بشأن الفيدرالية تتفق واصطفاف 94، لكن ليس بثنائية فيدرالية بين إقليمين، بل بأكثر من إقليم. وقوى ما قبل الاستقلال هي ذات النزوع الأكثر نحو الماضي الأبعد، الذي لم يكن فيه موضوع الوحدة اليمنية في الوعي الاجتماعي والشعبي حينها.

هذه هي الحصيلة التي جعلت من القضية الجنوبية يكثر في مستواها السياسي الصراع حول من يمثل هذه القضية، وجعلت كل طرف يقدم نفسه بأنه هو الممثل الحقيقي لها، بينما الشعب هو من سيجيب على هذا السؤال. طبعاً هذه انطباعات أولية، ومع ذلك لا أحد يستطيع أن يحسم بالقول القاطع حقيقة ما يريده الشعب في الجنوب، أو أي من أطروحات السياسيين ستؤيد، بدون استخدام وسائل معرفة علمية، كالاستفتاء أو مسوحات للرأي العام، تقوم بها مؤسسات معروفة ومتخصصة، ولذلك من الأفضل للجميع، وأقصد هنا القوى السياسية؛ الأحزاب والفصائل المتعددة للحراك، ألا تنوب عن الشعب، أو تدعي مسؤوليتها عنه، بدون تفويض منه، حتى لا يتم تكرار تغييب إرادة الشعب الصريحة عند القيام بالتصدي للقضايا الكبرى.

* يبدو واضحاً أن التشظي في الحراك رافقه تشظٍّ في الهوية أدى إلى بروز هوية ماضوية؛ برأيك؛ ما سبب هذا التشظي في الهوية؟
أرى أن هذا التشظي في الإحساس بالهوية متجذر أكثر في النخب السياسية، وليس في صفوف الشعب، أو المواطن العادي، لأن اليمنيين كانت هويتهم واحدة وهم خارج إطار دولة واحدة، وليس خطراً على هذا الأمر أن تتطابق الهوية مع شكل الدولة. هذه مسألة غريبة، فالهوية دائماً نجد تطابقها، ليس مع الهوية السياسة، ولكن مع الجغرافيا، والثقافة، والتاريخ، وهذا أمر محسوم تراثياً وجغرافياً وثقافياً، هذا هو الأهم. وهذا يعني أن هناك تغذية من سياسيين متصارعين، وأخشى ما أخشاه أن يكون هناك تدخل من مكان ما يغذي، أيضاً، هذا الأمر، وقد لعبت السلطة السابقة دوراً في هذا النوع من التغذية، لأنه عندما تضرب لدى شعب من الشعوب الإحساس بالهوية، فأنت تسعى إلى تمزيقه، هذا هو الهدف في السياسة. لكن الهوية لم تتطابق مع السياسة على الإطلاق، فالهوية تقاس دائماً بالتاريخي والجغرافي والثقافي.

الافتراق مع ثورة الشباب وتزايد الصدام مع الإصلاح
* في بداية الثورة الشبابية الشعبية، كانت هناك استجابة في الجنوب لتشكيل ساحات، لكن في فترة معينة حدث فراق، وبدا كما لو أن اليأس أصاب كثيراً من الجنوبيين، وحدث أن تشكلت عدة ساحات مثلاً في عدن؛ ساحات في المنصورة تابعة للحراك، وساحات في كريتر تابعة للثورة والإصلاح؛ برأيك ما سبب هذا الافتراق؟
هذا الافتراق سببه سياسي، وغذته النخب السياسية، ليس النخب السياسية التقليدية القديمة في الجنوب فقط، ولكن نخب سياسية في الشمال كانت تعتقد أن تقوية ساحات شبابية بهذا الشكل ستزيد من الإحساس بالهوية الجنوبية، وستؤدي إلى المفاوضة عبر الشباب في القضية، فتم تفتيت الساحات على هذا الأساس، وهذا يعني أن اهتمامات النخب السياسية تختلف عن اهتمامات وانشغالات الشعب.

* ما بعد الافتراق ظهرت خلافات وتطورت إلى اعتداءات متبادلة، بين فصيل معين في الحراك، وأعضاء التجمع اليمني للإصلاح، في عدن، في سيئون، وفي المكلا. وبعض القادة الجنوبيين قالوا إن تجمع الإصلاح يُدرب ميليشيات في الجنوب. ما سبب تطور هذا الفراق إلى هذا النحو بين الإصلاح والحراك؟ وإلى أين سينتهي هذا الأمر؟
ما زلت عند الإجابة على السؤال الأول، وهو أن النخب السياسية المختلفة، ذات المصالح، هي التي تلعب هذا الدور في التغذية، فالذين أرادوا، مثلاً، عسكرة الثورة في الشمال، لا يستبعد أن يكون لهم ضلع في صنع هذا النوع من المشكلات في الجنوب، لكن الحراك الحقيقي، الذي وصفته في تلك التغييرات النوعية التي تحدثت عنها في السابق، لا يمكن أن يتجه في هذا الاتجاه، لأن أعضاء الإصلاح في الجنوب هم جنوبيون، لكن هناك دعاية مضادة تقول إنه يتم الإتيان بهم من الشمال، وفي ظني أن هذا ليس حقيقياً إلى حد كبير.

* وبخصوص تدريب المليشيات..؟
ليس لي علم بهذا، لكن في الفترة السابقة، سواء في عدن أو غيرها، تم، كما كنا نسمع، توزيع أسلحة من أكثر من جهة، وليس فقط من جهة واحدة. هذا من قبل، غير أنه كان يُفترض بالحراك والإصلاح وأحزاب اللقاء المشترك أن تلتقي، وأن تحقق في مثل هذه المسائل لرأب الصدع الوطني، لأن هذا صدع سيئ في حال استمراره، وكثيرون قالوا إن أجنحة متطرفة في المؤتمر الشعبي العام كانت تسعى، أيضاً، إلى هذا الحد أو ذاك، لخلق شقاق بين أحزاب المعارضة، أو تقوية الحراك على حساب شيء من هذا القبيل.

* الحزب الاشتراكي، منذ بداية انطلاق الحراك، بقي بعيداً، رغم أن بوادر الحراك كانت واضحة، والآن هناك اتجاه لدى الحزب يتبنى رؤية عامة للقضية الجنوبية؛ ألا تخشون من حدوث صدام مع الحراك؟
لا. ما قصدته أنا ليس تبني الوجه العام للحراك، بل التفاعل مع الحراك للإسهام في توحيد أجنحته المختلفة، ولو أدى إلى أن يكون هناك حوار بين هذه الفصائل كلها من أجل الوصول إلى الحوار الوطني الشامل. هذا هو ما قصدته، ولا توجد وجهة عامة واحدة للحراك، فهناك وجهات متعددة كما أوضحتها أنا في إجابة سابقة.

تعاملنا مع ما جرى داخل منظمة تعز باعتباره ثورة شبابية دخلت إلى حزبنا ولم تغزه..

* ننتقل إلى الحزب الاشتراكي.
نعم.

* يبدو مما حصل في منظمة تعز أن عدوى الثورة الشبابية انتقلت إلى داخل الحزب، وإن بشكل بسيط، كما هو استيلاء شباب الحزب في تعز على المقر، واعتصامهم فيه. أولاً؛ كيف تنظر إلى ما حدث هناك؟ ثانياً؛ هل هناك تصور لدى الحزب في استيعاب الشباب داخل بناه وقطاعاته الفاعلة؛ خاصة وأن الشباب، من خلال تواجدهم الطويل في الساحات، وانخراطهم المباشر في العمل السياسي، قد اكتسبوا وعياً مختلفاً عن السابق؟
أقول دائماً إن الشباب استطاعوا، من خلال حركاتهم وتياراتهم المختلفة، أن يوجدوا شرعية جديدة لم تكن قائمة قبل وحدتهم في البلاد، وهذه الشرعية قلت عنها إنها شرعية ثورية. فإذا كان الشباب استطاعوا أن يخلقوا هذه الشرعية الثورية على المستوى الوطني، وهذه الشرعية هي الحامل للتغيير بشكل أساس، فلا يمكن استغراب أن تتدفق هذه الشرعية الثورية إلى كل المؤسسات الشبابية في البلاد. من هذا المنطق؛ نحن في الحزب الاشتراكي نستوعب هذه الشرعية الثورية، ونعمل على ملاءمتها مع النظام الداخلي، آخذين في الاعتبار أن الثورة يخلقها الوجدان، وجدان الإنسان، لكن الأشياء التي تتم الثورة ضدها تكون دائماً موثوقة بنظم ولوائح، وفوقها أداة القمع. نحن؛ عندما حللنا مشكلة منظمة الحزب في تعز، تعاملنا مع هذا الأمر باعتباره حقيقة جديدة من حقائق الحياة دخلت إلى حزبنا ولم تغزه، ويجب الاعتراف بها. وعلى هذا الأساس؛ قمنا بحل مشكلة منظمة الحزب في تعز. تطلب هذا عدداً من الزيارات، استغرقت أشهراً، للجلوس مع مختلف الإخوة، وأطراف النزاع، وتوصلت إلى حل، والآن سكرتارية منظمة الحزب في تعز 50% من قيادتها هم من الشباب، وبالتحديد من الشباب الثوار في الساحات. كما أن هذا المشروع ناقشناه في الأمانة العامة للحزب. أعني ضرورة استيعاب الشباب ضمن البنى التنظيمية للحزب، لكن في البداية يتطلب تهيئة هذه البنى لاستقبال هؤلاء الشباب الجدد، حتى لا يغرقوا، عند استيعابهم، في التفاصيل التقليدية القائمة. أيضاً نريد أن يتم استيعابهم ضمن دوائر الأمانة العامة، وفي مراكز اتخاذ القرار، وبالتالي لا نريد، ضمن هذه المعالجة، أن نخلق حالة من القطيعة بين جيلين؛ بمعنى أن يكون هذا الانتقال تدريجياً، وفي نفس الوقت يعيد النظر في الهيكلة التنظيمية للحزب، بحيث تكون مرنة ومفتوحة ليس لشباب الحزب فقط، وإنما للآخرين من خارجه أيضاً، فالآن عندنا في الحزب بعض الأشكال التنظيمية ذات طابع عملي، نعمل فيها، هي لشباب للتعرف على قدراتهم وإمكانياتهم، وأين يمكن أن يصلح كل منهم أو موهبته تنفع وأي مجال من مجالات العمل الحزبي. وعندنا الآن من هذه البنى 3: تجربة منظمة الحزب في تعز، منتدى للحوار في الحزب، ومجموعة الـ30 للتهيئة والتدريب أو شيء من هذا القبيل. نريد أن نخوض هذه التجربة بعمل مؤسسي، وليس بعمل عاطفي أو انفعالي.

* مؤخراً نال الحزب العضوية الكاملة في الاشتراكية الدولية؛ ما الذي سيستفيده الحزب من ذلك؟ أو هل هذا سيغير من أداء الحزب، ومن علاقاته الخارجية؟
أولاً؛ هذا الاستحقاق نحن نلناه بشكل استثنائي، وهذا الاستثناء يعود إلى أن الهيئة التي أقرت منح العضوية الكاملة للحزب، لها، في النظام المعمول به في الاشتراكية الدولية، الحق في أن توصي المجلس العام بمنح العضوية، لكن، أيضاً، يمنحها النظام الحق في أن تتخذ القرار بمنح العضوية في حالات معينة. وفي حالة الحزب الاشتراكي كان الاستثناء بسبب دور الحزب، وشبابه في النضال السلمي في الثورة الشبابية الشعبية، وتواجده في مختلف فعالياتها، ومشاركته ومشاركة أعضائه في كل التضحيات التي تطلبت نجاح هذه الثورة. هذا أعطانا، طبعاً، مكانة أفضل، وهو من مخرجات هذه الثورة الشبابية الشعبية. ومن ناحية؛ هذه العضوية ستوسع من علاقات الحزب الاشتراكي اليمني على المستوى الدولي، لأن الاشتراكية الدولية متواجدة بشكل كبير في أوروبا وفي آسيا ودول أمريكا اللاتينية، وهذا سيوسع من علاقاتنا، وسيشكل نوعاً من أشكال الدعم السياسي والمعنوي، وسيضبط حركتنا وفقاً لمفاهيم منظمة الاشتراكية الدولية، مع الأخذ في الاعتبار أن الاشتراكية الدولية تتيح فرصة كبيرة في اتخاذ القرارات وفقاً لخصوصية المجتمعات التي تنشط فيها الأحزاب الأعضاء فيها، وهذا يعني تجارب هذه الأحزاب في العمل السياسي، ونشعر أيضاً أن هذا الأمر سيشكل إضافة للعمل السياسي في اليمن.

* الأستاذ أنيس حسن يحيى قال، في حوار سابق مع "الشارع"، إن الأمانة العاصمة أصبحت عبئاً على الحزب، ما رأيك في هذا؟
في الحقيقة، لا أعرف ماذا يقصد بالضبط من أنها عبء؛ فالعبء في أحد وجوهه يعني أنه يعطل حركة أي شيء، أي أنه يكون مثقلاً بهذا العبء، لكن إن كان يقصد أن الأمانة العامة للحزب بحاجة إلى تجديد أدواتها، وإلى تغيير أساليبها في العمل، وبحاجة إلى تنشيط أدواتها، فأنا معه في هذا.

* ربما يقصد أن استحداث أمانة عامة في بنية الحزب عطل عمل المكتب السياسي.
انظر؛ هذا يمكن، وهو يتعلق بالرؤية إلى أي نوع من الهيكلية التنظيمية ستكون مرنة ومتوافقة مع نشاط الحزب، لكن رأيي هو أن البنى الحزبية التنظيمية يجب ألا تظل جامدة وساكنة لفترة طويلة. الحاجة تتعلق بأن كل استراتيجية لها بناها التنظيمية، فإذا كان للحزب إستراتيجية فلا بد من أن تستوعب بنيته التنظيمية قدرة على المرونة للتعاطي مع إستراتيجية محددة تختلف عن استراتيجية سابقة. بمعنى؛ أن البناء الهيكلي التنظيمي إلى جانب أنه يعطي بعداً مؤسسياً للعمل، هو، في نفس الوقت، أداة انتقاد الموضوع، هذا من زاوية تأصيل العمل المؤسسي، ومن زاوية توفير مرونة في الأداء.

* يلاحظ أن الثورة الشبابية الشعبية جعلت للحزب الاشتراكي حضوراً واسعاً بين الشباب، لكن يبدو أن الأداة التنظيمية للحزب لم تكن فاعلة بالشكل المطلوب للتعامل مع هذا المتغير، أو التعامل مع هذا الحضور الواسع للحزب.
هذه الثورة تختلف بطبيعتها عن كل الثورات التي يسجلها تاريخنا الوطني، لأنها ثورة متأثرة بمعطيات العصر من ناحية، ومتوازنة في انفجارها بين الحاجات الداخلية، وبين الاستفادة من معطيات العصر، إلى حد كبير، وخاصة في ما يتعلق بتوفير القدرة على التواصل بين الناس، وعلى عدم التمييز في هذا التواصل على أساس أيديولوجي، أو تنظيمي، أو طبقي، أو شيء من هذا القبيل، فكل إنسان، أياً كان توجهه العقائدي، أو الأيديولوجي، أو الطبقي المصلحي، يقرأ في الوسائل المعاصرة لشبكة الانترنت وتفاصيلها، ويطلع على الآراء ويناقشها، وفي نفس الوقت من باب الحرية في التعبير والقدرة على أن يقول الإنسان ما يريد، ويتفاعل مع ما يريد، وهذه أمور لم تكن متوفرة في السابق. ومن هذا المنظور نجد أن الأحزاب والتنظيمات، وخاصة التقليدية منها، عندها ضوابط تكاد تكون إسمنتية، بحيث لا يمكن للثورة أن تخرج من داخل هذه الأحزاب، وهذا ينطبق على أحزاب اليسار، وأحزاب اليمين. وهذه الثورة الجديدة انتشرت بشكل أفقي، وليس بشكل رأسي. يعني لم تكن لتيار معين، أو فكر معين، أو لمصلحة سياسية معينة. هي ثورة استجابت لحاجات كل المواطنين، حاجاتهم اليومية، حاجاتهم النفسية، أي أنه كان للمواطن العادي متطلبات تلبي حاجاته البيولوجية، ومتطلبات تلبي حاجاته الروحية، وهو محروم منها، في تفاصيل كثيرة، فخرج تحت هذه المتطلبات، ولم يخرج لأشياء تتعلق بالقضايا الكبرى، وأثناء صيرورة هذه الساحات اقتربت الناس من القضايا الكبيرة، وتلاقت مع هذه التنظيمات التي كانت تنشد هذه القضايا الكبيرة، وتناست تفاصيل حياة المواطن. بمعنى آخر؛ نجد، مثلاً، أن مرتكزات الشرعية الثورية؛ الشرعية التي جاءت بها حركة الشباب في اليمن، هي: المحروم من العمل، المقصي، المهمش، احتكار الثروة والسلطة وفي يد فئة قليلة. الأمر الذي جعل الناس يدركون أن هذه التركيبة السياسية الاقتصادية هي التي جعلتهم ضحايا لهذا الوضع، وبالتالي كانت أول نقطة عندهم أن هذا الوطن ملكنا جميعاً، وأننا كلنا شركاء فيه، ولنا الحق في أن نشارك في السلطة، وفي اتخاذ القرار، ولنا الحق في أن يصلنا من ثروات هذا الوطن، وهذا يعني المطالبة بالتوزيع العادل للسلطة والثروة. هذا هو الهدف الأول. يعني كانت القياسات في السياسة تبدأ، عند هؤلاء الشباب، وكل الذين اشتركوا في الثورة، من منطق الحرمان من أشياء الحياة، خاصة وأننا نعيش في عالم زادت فيه القنوات التلفزيونية الفضائية، وزادت فيه طبيعة الحياة الاستهلاكية، الأمر الذي يجعل أي شخص، تحت تلك المخرجات الإعلامية كلها، يشعر بأنه يعيش الحرمان، وبالتالي جاء المواطنون واشتركوا في الثورة من هذا المنطق، وأوجدوا شعار "لا حزبية ولا أحزاب"، الذي يتنافى مع السياسة. إذن؛ في البداية، لم يكن للمسألة صلة بالسياسة، بل كانت مسألة تتعلق بالوجدان والغضب. من هذا الوضع الذي تأسس على الحرمان، جاء الناس بسبب ما يعانونه في تفاصيل حياتهم اليومية.

في الأيام الأولى تتذكرون أن السلطة قدمت نوعاً من التنازل: توفير فرص عمل، علاوات، ووعوداً بمزيد من توظيف الناس، وإدخالهم في العمل. ومع مسيرة الأيام اكتشف الشباب أنهم لابد من أن يقتربوا من السياسة، لأن سبب هذا الحرمان كله هو تركيبة النظام السياسي، من هنا اقتربوا من الأحزاب، أما في البداية فكانوا متمردين عليها، لهذا نجد أن الأحزاب التقليدية لم تعرف ماذا تعمل، لأن الناس يطالبون بما لا تناضل من أجله. هذه الأحزاب كانت تنظر لهذه المطالب على أنها تفاصيل، ولا تنظر إليها ضمن الإطار الشامل للسياسة، والسياسة في العالم لها اهتمامات على 3 مستويات: هناك قضايا وطنية كبرى، تهتم بها السياسة، وهناك مصالح مباشرة للناس، عبر الفئات والطبقات المختلفة، وهناك مستوى ثالث، وهو رعاية مصالح الناس في معيشتهم الحياتية. لم تقترب السياسة لدى أحزابنا من هذا الفهم. نحن غارقون في القضايا الوطنية الكبرى، خاصة اليسار والحزب الاشتراكي، والأحزاب الأخرى، مثلاً الإصلاح غارقون في تلبية مصالح الطبقات والفئات التي يمثلونها بشكل مباشر، ولم يكن هناك من يهتم بتفاصيل الحياة اليومية للناس، وهذا ما أدى بالشباب لأن يثوروا، ويبتعدوا عن الأحزاب، في البداية، ولكن عندها وجدوا أن الحل سياسي، وأن هذا الحل يدخل ضمن المستويين الأول والثاني من ممارسة السياسة، والتأمت الأمور، وصار هناك تصحيح للمسار، نسبياً، وبرزت الشرعية الثورية للشباب، وأنجزت ما أشرت إليه من الإنجازات، لأنهم رأوا أن المشكلة، وأعني مشكلة الحرمان في تفاصيل الحياة اليومية، هي النظام السياسي الذي يستأثر بالسلطة، ويستأثر بالثروة الوطنية.

يجب فصل الهوية عن السياسة
* في بداية الثورة كان هنالك رهان أن الثورة ستخلق هوية جديدة لليمن، لكن يبدو، من تطورات الأحداث، أن الثورة ستفشل في ذلك.
أقول إن الميل العام في تاريخ اليمنيين هو نحو اندماجهم، لو بدأت تتابع هذا الموضوع، منذ تأسيس الدول اليمنية قبل الإسلام، وفي فترة الإسلام، وما بعدها، لرأيت أن الميل العام كان نحو الاندماج الاجتماعي. هذا أمر فرضته صيرورات الجغرافيا والتاريخ. والذي نلاحظه اليوم، من تحقق الوحدة اليمنية، يؤكد هذا الميل العام للتاريخ. تفاصيل من هذا النوع؛ تفاصيل الهوية المختلفة يجب إبعادها عن السياسة، وربطها بالفلكلور، لأنه عندنا نحن في اليمن بحكم جغرافيته، وقبل توفر وسائل المواصلات الحديثة، كانت كل منطقة، تقريباً، معزولة عن الأخرى، أي مغلقة، فكانت لها تقاليدها وهامتها المحلية وأزياؤها و... و... نحن أكثر بلد تتميز عنده الهوية بالغنى الفلكلوري، وهذا الأمر لم يكن يمثل مشكلة إلا متى ما ربطت الهوية بالسياسة، لذا يجب فصلهما.

اليوم، يجب فصل قضية الهوية الجغرافية والتاريخية والثقافية عن السياسة ومشكلاتها الآنية واليومية، حينها سنجد أن هذا الأمر لا يشكل خطراً. نرى اليوم عندنا أحزاباً إسلامية تقتتل في ما بينها، رغم أن هوية مناطقية واحدة تجمعها! إذن؛ ما الذي زرع هذا؟ إنها السياسة.

* هناك نزوع للتجمع اليمني للإصلاح نحو الهيمنة، ألا تخشى أن يتطور هذا إلى السيطرة على النظام الجديد؛ كما حدث في كل من مصر وتونس؟
أولاً أريد أن أوضح مسألة مهمة في هذه القضية؛ الإصلاح حزب سياسي يمثل قوى استراتيجية لها وزنها، من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، ولا يمكن، على الإطلاق، تجاوز هذا الحزب في أي عمل تحالفي، وأنا أؤكد على ذلك. في السياسة توجد مصالح، لكن اليوم ما جرى في اليمن ينقل الأمور من تحديد مواقع الناس على أساس توازن القوة، إلى تحديد مواقع الناس على أساس توازن المصالح، هذا الأمر هو ما نريد ترتيبه معاً، وهذا الترتيب، أي توازن المصالح، يجب أن يمأسس، أي يجب أن يكون دستورياً، وتوازن المصالح هنا ليس بين النخب السياسية، بل بين الفئات الاجتماعية المختلفة. مثلاً؛ أنا لاحظت، وكنت أطرح مثل هذا الكلام عندما تم تشكيل لجنة الحوار الوطني، أنهم قاموا، عند تشكيل هذه اللجنة، بتمثيل كل الفئات الاجتماعية والفئوية، لكنهم لم يمثلوا على الإطلاق، ولم يذكروا على الإطلاق، الفلاحين والعمال، وهم فئة واسعة، وهذه مأساة أنتقد فيها الحزب. أليس لهؤلاء مصلحة في هذا الوطن؟ وما هي حدود مصالحهم؟! أن تتجاهل هذه الفئة بالكامل هو أمر خطر، وهذا التجاهل قائم، مع الأسف، حتى في تفكير اليسار القائم اليوم، الذي تناسى هذا الأمر. عندما تقول نريد أن نمأسس هذا، فهذا يعني أننا نريد أن يكون هذا الأمر مدخلاً للعدالة الاجتماعية. شخصياً؛ أرى أن المدخل إلى العدالة الاجتماعية، ليس عن طريق أفكار أو أيديولوجيات، بل عن طريق الاقتصاد السياسي، فلكي يكون للفلاحين حضور له صلة بالعدالة الاجتماعية، يجب أن يكون لديهم تعاونياتهم الفلاحية، التي تجسد مصالحهم الاقتصادية المادية، وكذلك بالنسبة للعمال. بالنسبة للعمال عندما نريد، اليوم، أن نمأسس هذا الأمر، نقول بلاش قوانين من منظور اشتراكي أو طبقي، هناك قوانين للعمل من العالم الرأسمالي نفسه، وهي تدخل ضمن القوانين الأولية للعمل، يجب أن تنضبط لها الشركات، وأن تنضبط لها النقابات، وبالتالي نحن نريد أن نشرع لهذه القوانين في إطار المأسسة لتوازن المصالح، وفقاً للقانون الذي يحدد الحق المادي للناس.

مسألة الهيمنة ألاحظ أن هناك مستويين من الخلاف يحل بين أعضاء الحزب الاشتراكي، وأعضاء الإصلاح. في الأعمال المشتركة لا يحصل، على المستوى القيادي، هذا النوع من الخلاف، الذي يحصل على المستوى المحلي، ويزيد على المستوى الأدنى. هناك إدراك سياسي أكبر بكثير في المستوى الأعلى لحزب الإصلاح، ويتضاءل هذا الإدراك كلما نزلنا إلى المستويات المحلية. وربما أن البعد الأيديولوجي في هذه المستويات مكرس أكثر. وأنا أرى أن كل حزبين إذا وجدت مشكلات في ما بين أعضائهما، عليهما الجلوس معاً لحل هذه المشكلات، لأن أشكال هذه الهيمنة نلاحظها نحن في التفاصيل، في القضايا التفصيلية الصغيرة، وليس في القضايا الرئيسية الكبرى. ولهذا أقول إن تجربة التحالف السياسي في اليمن هي تجربة مهمة كثيراً، فنحن نلاحظ أن أحزاب اللقاء المشترك تطورت، من خلال عملها المشترك، وتقدمت في مجال السياسة، ولو كانت أعمالها غير مشتركة، ولا تحالفية، لكان الأمر مختلفاً اليوم عما هو عليه. لاحظ عندنا أن هذه الأحزاب في المشترك بدأت في الأول بالمعارضة اللفظية، بعد ذلك، خلال 2005، بدأت، عندما وقعوا على برنامج عمل مشترك، تدخل في مرحلة نسميها الممانعة، أي الرفض للاندراج في السياسات المرسومة من قبل النظام، لكن الممانعة ظلت لفظية من ناحية، وعدم المشاركة دون الانتقال إلى عمل سياسي كبير ومباشر. في ما بعد، تطور الموضوع إلى عمل معارضة جماهيرية من جماهير الأحزاب، وهناك الكثير من الوقائع السياسية التي تعكس هذا الأمر في أكثر من محافظة، وقبل انفجار الثورة الشبابية الشعبية، كان لهذه المعارضة جماهير تخرج في أكثر من مرة، لتعبر عن معارضتها للنظام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق